وبطبيبك قد استدلّ على موتك ودلّ، فنعاك من خلفك إلى خلك وإلفك، وقال لأهلك وهو مغضي اليوم أو الليلة فلان يقضي، فواجهك صغيرهم بالصراخ، فزجره الكهول والأشياخ. حتى إذا عرق جبينك، وامتد عرنينك، وبرق بصرك، واشتد خوفك وحذرك، ويئست من حياة كنت تطمع فيها، ورميت بسهم ممات لم يدع في قوس الحياة منزع، وافقت حينًا بعدما أغمي عليك أحيانًا، فرأيت ملك الموت عيانًا، فهنالك تنقل من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، ومن نخوة إعزازك إلى ذلة إحرازك، ومن عواطف أهلك الرحيمة إلى أهوال عظيمة، قد ودعك معشرك وأودعك، ولو أقاموا عندك لما نفعوا، فتخليت عن الصديق والودود واحتليت بالصديد والدود، ثم لا ملجأ من ضغطة القبر ولا معاذ، ولو نجا منها أحدٌ لنجا سعد بن معاذ (١)، فكيف بك إذا رأيت ملكين أفرقين، تفرق منهما أفئدة الثقلين، فزلزلا منك الأركان، وأجلساك كهيئتك الآن، وسألاك من ربك وما دينك؟ وعملك حينئذ قرينك، ثم بعد تجاوز هذا المنار، ترى سبيلك إما إلى جنة أو إلى نار، فرحم الله امرءًا علم ما بين يديه فانتقل إلى آخرته بأفضل ما لديه.
خطبة أخرى أنشأتها وخطبت بها:
الحمد لله للذي بعبادته تتم الصالحات، وبهدايته تقام وحدانيته الأدلة الواضحات وبرعايته تنقاد إلى طاعته الأنفس الجامحات، وبعنايته تهتدي إلى معرفته البصائر الطامحات، وبمعاملته تحصل المتاجر الرابحات، وبمسامحته تُغفر الذنوب الفادحات، وتستر العيوب القادحات، وبذكره تطمئن القلوب الجانحات، وبشكره تستقدم النعم السارحات، وبحمده تسبّح النجوم السابحات، والطيور السانحات، والوحوش السائحات، والرياح الغاديات الرائحات، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، وما لكم من نعمة فمن عنده، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، أحمده على وعيده ووعده، حمدًا استمطر به سحائب رفده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يحكم لقائلها بسعد جده، ويختم لحاملها بجد سعده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله وجعل الملائكة من جنده، وشرف به
(١) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهابي، صحابي جليل، أصيب يوم الأحزاب بجرح، ثم انتفض جرحه أثناء الوقعة في بني قريظة فمات ﵀. وفي الأثر أن النبي ﷺ قال: لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا منها سعد بن معاذ. انظر: طبقات ابن سعد ٣/ ٢/ ٢ والوافي بالوفيات ١٥/ ١٥٢.