أهل تهامة ونجدة، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وولده ما استل سيف من غمده، وأحيل طيف من بعده.
أيها الناس، إن للمنايا فيكم وثبات، وهي كامنة في الحركات والسكنات، وجاثمة على الأنفاس واللحظات، فانتبهوا رحمكم الله، فإلى متى هذه الرقدات، وتفطنوا لما يراد بكم فقد استحكمت الغفلات، وتنبهوا لاستدراك الهفوات قبل درك الفوات، وتزينوا للعرض على جبار الأرض والسماوات، هذا عباد الله شهر رجب، ضيف كريم يجب إكرامه، وصديق حميم يتعين إجلاله وإعظامه، وهو خازن أمين وشاهد صدق لا يمين، يشهد عند ربه على كل إنسان بما أودعه من كسبه، شهر اشتهرت بركاته وعظمت حرماته وارتقت ميقاته، وخسفت لأهل الطاعة أوقاته، فيه يقبل الله التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويضاعف أجور الحسنات، فاغتنموا في أيامه البيض غسل الصحائف السود، وثبوا إلى طاعة الله تعالى وثبات الأسود، واعلموا أن الصلاة على المؤمنين كتاب موقوت، وأن الساهي عنها عند الله تعالى ممقوت، وهي من خير أعمالكم، فحافظوا عليها، وراقبوا الذي يراكم إذا قمتم إليها، واطردوا بالخضوع وسواسها، وشردوا بالخشوع خناسها، وأرأبوا صدوعها، واحذروا ردّها عليكم ورجوعها، فكم بين من صلى صلاة تكمل له أجرها وبين من صلى صلاة كتب له نصفها ثلثها ربعها خمسها عشرها، وتأملوا قوله ﷺ، فقد أبان عن ذلك فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فسمعًا لمواعظ الله تعالى، سمعًا وردعًا لوسواس الصدور ردعًا، جعلنا الله وإياكم ممن ذكر اسم ربه فصلى، وتجلى نوره لسره فتخلّى عما سواه، وبذكره تحلّى.
كتب صفي الدين (١) ابن سرايا الحلي وهو بحماة إلى القاضي شهاب الدين ابن فضل الله العمري فسح الله في مدته، وهو كافل الأسوار الشريفة بالشام المحروس حينئذ رسالة تشتمل على شعر وترسل. أما الشعر فأثبته لأنه يعد من الأشعار. وأما الترسل فإني تركته لأنه ساقط عن درجة الاعتبار. والشعر هو هذا:
ما كنت أعلم والضمائر تصدق … أن المسامع كالنواظر تعشق
(١) صفي الدين الحلي، عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم السنبسي، الطائي، شاعر عصره، ولد ونشأ بالحلة، اشتغل بالتجارة فرحل إلى الشام ومصر. وانقطع مدة إلى أصحاب ماردين واتصل بالملوك الأرتقية، توفي سنة ٧٥٠ هـ. وله مصنفات وديوان شعر مطبوع. ترجمته في: الدرر الكامنة ٢/ ٣٦٩ وفوات الوفيات ١/ ٢٧٩ والنجوم الزاهرة ١٠/ ٢٣٨.