للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ممن كان له اختصاص بالمتوكل لأثره، واقتصاص لقبيح أثره، واتصال قربه من الخليفة في جلالة منصبه، ما ضمه معه من يمالئه على علي وتعصبه.

حكي أنه كان على صحة دينه، وفسحة يقينه، وقيامه بالفرائض، ودوامه على ما يدفع به حجة المعارض، يرى رأيًا متوكليًا في الانحراف عن علي كرم الله وجهه، وأظهر بغضه وإشهار ما عرف منه كله ببعضه، كان يغض منه ما لا يغض، ويفض من جموع أشياعه، ما لا يُفَضُّ، ويستبيح منه مرعى وبيلًا، ويستريح إلى ذمه بما لم يجعل الله إليه سبيلًا، هذا على أن علي بن الجهم ما كان بمطعون عليه في دين، ولا بمظنون فيه إلا سوء القرين، وبلي بالمتوكل مع متابعته لهواه، ومبايعته له على دينه بدنياه، غضب عليه غضبًا يستفحل زفيره، ويستعجل الأجل نفيره. وكان سبب غضبه، ومسبب ما استطار عليه من لهبه أن ابن الجهم كان يقع عنده في الندماء، ويغصص أكثرهم عنده بتجرع الماء، فكمنوا له كمون الأراقم، وسكنوا له سكون المتناوم، ثم دبّوا إليه دبيب العقرب، وراغوا إليه مراوغة الثعلب، ورموه منه بداهية أزالت مكانه من خاطره، وأزالت إنسانه من ناظره، ثم كادوا يكونون عليه لبدًا، ويقومون عليه قيامًا لا قعود لهم عنه أبدًا، ونفّذ هو أغراضهم بلسانه، ورأش لهم سهامًا من هجو اجترأه به على سلطانه، وقالوا قد كفر الإحسان، وتطاول إلى هجو خليفة الزمان، وما زالوا بالمتوكل إلى أن نفاه إلى خراسان، وكتب إلى ابن طاهر أن يصلبه بالشاذياخ يومًا واحدًا لا زايدًا فلما وصل حبسه طاهر، ثم أخرجه إلى الظاهر، وفعل به ذلك، وصلبه صلبًا لم يكن منه تهالك، فقال (١) في تلك الحال هنالك:

لَمْ يَنْصِبُوا بِالشَّاذِيا عشية الـ اثنين … مسبوقًا وَلا مَجْهُولا

نَصَبُوا بِحَمْدِ اللهِ مِلْءَ قلوبهم … شَرَفًا ومِلْءَ صُدُورِهِمْ تَبْجِيلا


= رقيق الشعر، أديب، من أهل بغداد. كان معاصرًا لأبي تمام، وخص بالمتوكل العباسي. ثم غضب عليه المتوكل، فنفاه إلى خراسان، فأقام مدة. وانتقل إلى حلب، ثم خرج منها بجماعة يريد الغزو، فاعترضه فرسان من بني كلب، فقاتلهم، وجرح ومات من جراحه. له «ديوان شعر» عني بتحقيقه خليل مردم بك، ط مرتين، وقد أفدنا من الطبعة الثانية.
مصادر ترجمته:
الأغاني طبعة الدار ١٠: ٢٠٣ - ٢٣٤ وابن خلكان ١: ٣٤٩ والطبري ١١: ٨٦ وسمط اللآلي ٥٢٦ وطبقات الحنابلة ١٦٤ والمنهج الأحمد - خ. وفيه «كان منزله ببغداد في شارع الدجيل». والمرزباني ٢٨٦ وتاريخ بغداد ١١: ٣٦٧ والبستاني: ١: ٤٣٦ ومجلة المجتمع العلمي ٢٥: ٢٨٣. الأعلام ٤/ ٢٧١. معجم الشعراء للجبوري ٣/ ٤١٤.
(١) القصيدة في ديوانه ص ١٧١ - ١٧٤ في ١٨ بيتًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>