صغيرًا، واختلف في سبب عماه اختلافًا كثيرًا، إلا أن نور بصره رُدَّ إلى قلبه فارتد بصيرًا. ولما كُفَّ بصره، وكفى قبح ما يقع عليه نظره، أسلمه أبوه إلى العلماء إذ لم يكن مثله ممن يترك سدى، ويخلى ليخبط في ليل عماه بلا هدى، إذ كان جذوة تتآكل في غمدها، ونبعة تتحفز لتتدفق في مدها.
قال أبو الفرج الأصفهاني: كان العالم إذا رآه قال لمن حوله: افسحوا للنبوي، مبالغة في وصف علمه وصفًا ما يتَشَعْشَعُ تَشَعْشُعُ الأقداح من فهمه، وكان في الشعر زبرة ما طبع مثلها هندي، ولا ماثلها إلا أن يكون الكندي. وزعم بعضهم أنه كان به برص يستره رداؤه، ويبعده عن مخالطة الصحاح داؤه، ولما سمع بكرم أبي دلف العجلي قصده بقصيدته التي يقول فيها:«إنما الدنيا أبو دلف … » البيتان وقد مرّ ذكرهما، فأكبرها عليه إذ أتاه بها صغيرا لم يأهل القول مثلها، ولم يستكمل لفضلها، فسبره بالإمتحان، وخبره فكان أكثر من خبرة العيان، ثم كانت تلك القصيدة هي الجالبة لحمامه، السالبة لجلباب عمره قبل تمامه، لأمور تجنى عليه المأمون ذنوبها، والصق بجلدته عيوبها وما كان والله أعلم الحامل على إبدائها، والمضطربة إلى تقميصه بقميص لا زرّ له من ردائها، إلا أنه نقم عليه مدح أبي دلف دونه تلك المدحة التي استفاضت، وطمت على بحور المدائح حتى فاضت، فأمر به فسُلَّ لسانه من قفاه، وكان له لسان يخشى حد غربه فكفه وما كفاه، وأسكت مقوله وما فض فاه، وإنما كان روحه الناطق بها فما فارقها إلا لما حضرته الوفاه، ومن سياراته، وطياره الذي لا تطمح الأعين إلى مجاراته، قوله (١) في قوس قزح: [من الطويل]
وقد نُشرت أيدي الجنوب مطارفًا … على الجَوِّ دُكْنًا والحواشي على الأرض
= الناس إنشادًا، كان الأصمعي يحسده وهو الذي لقبه بالعكوك (المغليظ السمين). ولد بقرب بغداد، واستنفد أكثر شعره في مدح أبي دلف العجلي. وقتله المأمون. جمع أحمد نصيف الجنابي ما وجد من شعره في «ديوان» - ط، في النجف. وجمع زكي العاني «بعض شعره» أيضًا في «ديوان» آخر، طبع ببغداد، وجمع الدكتور حسين عطوان ما وجد من «شعر العكوك» في ديوان حققه ونشره. مصادر ترجمته وفيات الأعيان ١: ٣٤٨ وسمط اللآلي ٣٣٠ وتاريخ بغداد ١١: ٣٥٩ والشعر والشعراء ٣٦٠ وكتاب الورقة ١٠٦ ونكت الهميان ٢٠٩ والمورد: ٣: ٢: ٢٣١ ومجلة المجمع بدمشق ٤٩: ٤٣٦ الأعلام ٤/ ٣٦٨. معجم الشعراء للجبوري ٣/ ٤١١. (١) لم ترد في ديوانيه، في هامش الأصل: «قلت: وثم رواه كثير عددهم لا ترويها لسيف الدولة بن حمدان ولا ترويها أهل التحقيق له».