للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا الباب فلم يفتح له قفلًا، ولم يكلّفه منه فرضًا ولا نفلًا، بل قاربه إذ جانب، وواصله إذ جاذب، وكان هو وإياه خليطي خمر وماء، وقسيمي بؤس ونعماء، وكان الصالح يغمره ببحره، ويؤمره على أمره، وعمارة يجعل شكره صحيفة آنائه، وحقيبة ثنائه، يقرن كل بيت بوفقه، وينظم كلّ معنى إلى لفقه ومضت قريحته على هذا التوالي، ودبت الأيام ودرجت الليالي بفرائد ماتت بين السحر والنحر، وقصائد نظمت حاشيتي البر والبحر، ومدائح ركبت الأفواه ووردت المياه، وطرقت الأندية والخدور، وحلت الأطراف والصدور، وقال فسكت كلُّ متلكم، وصدّ كلُّ ناطق مترنم. ويدلُّ على أكبر حاله قصيدته التي مدح بها السلطان صلاح الدين، ومنها قوله (١): [من الطويل]

أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي … لنفثةمصدور وأنَّة موجع

يقاصرني خطو الزمان وباعه … فقصر من ذرعي وقصر أذرعي

وأخرجني من موضع كنت أهله … وأذنني بالجور في غير موضعي

تيممت مصرًا أطلب الجاه والغنى … فنلتهما في ظل عيش مُمَتَّعِ

وزرت ملوك النيل أرتاد نيلَهمُ … فأدركت آمالي وأخصب مرتعي

وجاد ابن زريك فيهما بمواهب … وكم زاد عن مرمى رجائي ومطمعي

مذاهبهم في الجود مذهب سنة … وإن خالفوني في اعتقاد التشيع

فقل لصلاح الدين والعدل شأنُهُ … مَنِ الحاكم المصغي إليَّ فأدعي

يا راعي الإسلام كيف تركتنا … فريقي ضياع من عرايا وجوع

ونصري له من حيث لا أنت ناصر … بضرب صقيلات ولا طعن شرع

فما لك لم توسع عليَّ وتلتفت … إليَّ التفات المنعم المتبرع

فيا واصل الأرزاق كيف تركتني … أمدُّ إلى زند العلا كف أقطع

وأقسمت لو قالت لياليك للدجى … أعد غارب الجوزاء قال لها اطلعي

فيا زارع الإحسان في كلِّ تربةٍ … ظفرت بترب تنبت الشعر فازرع

ومن شعره النادر وقوله المبادر، ما سأشنّف به هذا التصنيف، وأكمل عوز هذا التأليف.

وقد حكى ابن خلكان عنه، وقد ذكره. قال (٢): «ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن، أنه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، ثم قال: فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كل الإحسان وصحبوه مع اختلاف العقيدة بحسن صحبته. ثم قال:


(١) من قصيدة قوامها ٦٤ بيتًا في ديوانه ٢/ ٦٨١ - ٦٩٥.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ٤٣٤، النكت العصرية ١٣٠ - ١٣١، خريدة القصر - قسم الشام ٣/ ١٢٨ - ١٣٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>