للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَوْمٌ مِنَ العُمْرِ لمْ يَخْطُرْ على أملي … وَلَا تَرَقَّتْ إِلَيْهِ رَغْبَةُ الهِمَمِ

لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو لِي فَأَنْظِمَها … عُقُودَ مَدْحٍ فَمَا أَرْضَى لَكُمْ كَلِمِي

تَرَى الوِزارَةَ فِيهِ وَهِيَ بَاذِلَةٌ … عِنْدَ الخِلافَةِ نُصْحًا غَيْرَ مُتَّهَمِ

عَوَاطِفُ أَعْلَمَتْنَا أَنْ بَيْنَهُمَا … قَرَابَةٌ مِنْ جَمِيلِ الرَّأْيِ لَا الرَّحِمَ

خَلِيفَةٌ وَوَزِيرٌ مَدَّ عَدْلُهُمَا … ظِلًا عَلَى مَفْرِقِ الإِسْلَامِ وَالأُمَمِ

زِيَادَةُ النِّيلِ نَقْصٌ عِنْدَ فَيْضِهمَا … فَمَا عَسَى تَتَعَاطَى مِنْةُ الدِّيَمِ

فاستحسن قصيدته الحاضرون. ثم عاد إلى مكة وهم إليه بعيونهم ناظرون. ثم إنّ صاحب مكة أعاده إلى الفائز مرة ثانية، وهبَّتَ إلى مصر ريح يمانية ومد إليها منه بحر عدت البحار السبعة ثمانية. وأتاها على نِيَّةِ مُقيم، وبعلانية أنه عنها لا يريم. فلما دنا عمارة من الفائز أدناه، وسوَّغه فوق مناه، شكرًا لمسعاته، وبرًا كلمه به بغير ترجمان من دعاته، وذلك بما لقنه ابن رزيك وفطنه، واستجلبه به ليوطنه، ثم اختص بابن رزيك خصوصية اللسان بالبيان واليد بالبنان، فغرقه الصالح بِسَجْلِه، وعرفه نجح ما جاء لأجله، وجعله لا يطأ الثريا برجله، ولا يطلب الجوزاء بأن تصاغ بحجله، وقد تقدم في ترجمة الفائز ذكر وفادته، وأنها كانت بكر سعادته، وأتينا هناك على عيون من أخباره، ومكنون من أشعاره، فلقد أحله ابن رزيك منه مكانًا تسفّ عنه الرياح المحلقة، وتشف عنه مصابيح النجوم المعلقة، ثم إنّ الصالح أراد به زيادة اختلاطه، قوة ارتباطه، فدعاه كما تقدم في ذكر الفائر ليدخل معه في مذهبه، ويعجل له آلاف ذهبه، فتباعد من أربه، وتأفف من سوء مشربه، وكان الصالح قد كتب إليه (١): [من الكامل]

قُلْ لِلْفَقِيهِ عُمَارَةً يَا خَيْرَ مَنْ … أَضْحَى يُؤَلِّفُ خُطْبَةً وَخِطَابَا

الأبيات الخمسة المقدمة الذكر، فيما مر من هذا الكتاب. فلما أتت عمارة هذه الأبيات، وسع من الغيظ فوق مليئه، وحمل النفس حشو عبيئه، وأبي له أن يخيب يقينه، وأنف له لهذه الدنية دينه، وكان شافعي المذهب، حسن المعتقد، متعصبًا لأهل السنة. وكان هذا ينكب خطته، ويتجنَّب خلطته وكتب إليه جوابًا أغصه وأقذاه، وطوى جوانحه على أذاه وهو: [من الكامل]

يَا خَيْرَ أَمْلَاكِ الزَّمَانِ نِصَابًا … حَاشَاكَ مِنْ هَذَا الخِطَابِ خِطَابَا

الأبيات الثلاثة المقدمة أيضًا.

ثم إنَّ الصالح [لم] يفسد ما بينه وبين عمارة، وسكت عنه تصريحًا وإشارة، وسدّ


(١) من قطعة قوامها ٩ أبيات في ديوانه ١/ ٢٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>