للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يكتحل في كل ميل بإثمده، هذا ورائد الفضل يقدمه، وقائد الحظ يخدمه.

فأتى مصر والملك الصالح بن زريك يومئذ وزيرها، وبه يبتدأ من يزورها، والفائز اسم ابن رزيك معناه، ومضطجع مهد لولاه لم يُلمم لمغناه، فأكرم الصالح منه زائرًا أشهى من الطيف لمامًا، وأخف من الضيف مقامًا، ودخل على الفائز بقبو الذهب وهو في مجلس كل أشم الأنف فيه خاضع، وكلُّ شامخ الرأس لديه متواضع، وكلُّ طرف متشاوس به غضيض، وكُلُّ جناح همةٍ متعال عنده مهيض، لا يتكلم فيه إلا من أذن له وقال صوابا، ولا يتكلم فيه إلا من منحه الحصر أن يرد جوابًا، والفائز على سرير مرتفع تقع مرامي العيون دونه، وتودُّ أسرَّةُ النجوم أن تكونه، وزعماء الجيش قد أخذت مجالسها في نواحيه، ومنعتها المهابة أن تتخيل أنها فيه، فأنشد قصيدة مدح بها الفائز ووزيره الصالح، ووصف حسن قيامه بالمصالح وهي (١): [من البسيط]

الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدًا يقوم بما أَوْلَتْ من النِّعَمِ

لا أجْحَدُ الحق عندي للركاب يد … تمنَّتِ اللُّجْمُ فيها رُتبةَ الخُطُمَ

قَرَّبْنَ بُعْدَ المزار العزّ من نظري … حتى رأيتُ إمام العصر من أمَمِ

ورُحْنَ من كعبة البطحاء سائرةً … وَفدًا إلى كعبة المعروفِ والكَرَمِ

فهل دَرَى البيتُ أَنِّي بعد فُرْقَتِه … ما سرتُ من حَرَم إلا إلى حرم

حيث الخلافة مضروب سُرادقها … على النقيضين من عَفْوِ وَمِنْ نِقَم

وللإمامة أنوار مقدَّسة … تجلوا لبغيضين من ظُلْم ومن ظُلَمَ

وللنبوة آياتٌ تَنُصُّ لنا … على الحقيقين من حِلْمٍ ومن حُلمِ

وللمكارم أعلام تعلمنا … مَدْحَ الجزيلَيْنِ من بأس ومن كرم

وللعلا السُن تُثني محامدها … على الحَميدَيْنِ من فعل ومن شيم

وراية الشرف البذاخِ ترفعها … يدُ الرَّفِيعين من مجد ومن همم

أقسمت بالفائز المعصوم معتقدًا … فوزَ النَّجاةِ وأَجْرَ البِرِّ في القسم

لقد حمى الدين والدُّنيا وأهلهما … وزيرُهُ الصَّالِحُ الفَراجُ للغُمَمَ

اللابس الفخر لم تنسج غلائِلَهُ … إلا لصنيعي السيف والقلم

وجوده أوجد الأيام ما اقترحت … وجوده أعدم الشاكين للعَدَمِ

قد ملكته العوالي رِقَّ مملكةٍ … تُعِيْر أنف الثريا عزَّةَ الشَّمَم

أرى مقامًا عظيم الشأن أوهمني … في يقظتي أنه [من] جُمْلَةِ الحُلُمَ


(١) القصيدة في ديوانه ٢/ ٨٦٤ - ٨٦٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>