الأبيات، من سوانح تلك الظبيات، فوقف بها باكيًا، وطاف بأطلالها شاكيًا، وهو يقول: [من البسيط]
يا ليت دارهم من بعدهم رسخت … تحت الثرى واختفت عني إلى الأبد
فإن رؤيتها من بعدهم سببٌ … إلى تضرُّم نار الشوق في كبدي
ثم عكف عليها طائفًا، وتذكَّرَ تليدًا وطارفًا، وقال: [من الكامل]
كانت ديارهم بهم مأهولةً … تغدوبها غزلانها وتروح
حتى نأوا عنها فصارت بعدهم … كالجسم لما فارقته الروح
ثم والى الزفير والشهيق، حتى رثى له الشفيق، ورأى الخلي أنه لا يفيق.
وحُكيَ أَنَّهُ خلا بنفسه في بعض مجالس أنسه، متداويًا من هوى برح بقلبه في جارية، كاد رياها يطير بلبه في ليلة أفصحت العيدان بحروف معجمها، وقرئت صحائف الظلماء بنقط أنجمها، وجرّت كُمْتَ الكؤوس إلى وردها، وخلطت مسك الليل بوردها. وأقبلت الجواري والولدان كاللؤلؤ المنثور، وَوُصِلت الظلماء بذوائب الشعر المنشور. وأقسم السرور أن قفل الظلماء على الفجر لا يُفْتَح، وآلى أن جانب السحر له لا يفسح، فقال: [من البسيط]
إن الغناء الذي قد كان يُطربني … بكم ويُنشي مسراتي وأفراحي
هو الذي صار يُنشي بعد بَيْنِكُمُ … حُزني ويجعل دمعي مزج أقداحي
ثم أصبح وهو ما هو وعليه من الجماح، وأَصْحَرَ وقد غنت ذوات الجناح، فجعل يبكي ويقول (١): [من الكامل]
أعلمت أنَّ الورق بعدك ساعدت … أهل الهوى بالنوح والأحزان
وبحقها ناحت عليك لأنها … فقدت قوامك في غصون البان
وحكي أنه جلس مرّةً بالمسجد الجامع، وقد أَجابَ داعي مؤَذِّنِهِ السَّامع. فلما فرغ من أداء ما وجب، جلس إليه رجل يقرأُ كتابًا ويُظهر العجب. فلما امتد في ذلك الطلق، ولم يفة لسانُهُ ولا نَطَق، فقال له: مِمَّ تعجب، ولم تَتَخَفَّ السَّماءُ وتحجب؟ فقال: إنها درعيات أبي العلاء، ودُرِّيّاتُ ذلك اللألاء. فقال: اقرأها عليَّ، وهاك ما لدي. فقال: لا والله حتى أترح عليك وإلا فاطرح وإليك، فقال على لسان الدرع (٢): [من الطويل]
(١) البيتان في ديوانه ٨٨.
(٢) البيتان في ديوانه ٣٨.