للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تكون محدثة، فإن كانت لم تزل، فمعلولها لم يزل، وإن كانت محدثة، لزم في حدوثها أن يكون أحدثها لذاته أو لعلة.

وقالوا: إنَّ الأجسام محدثة لم يخل من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون مثلها من جميع الوجوه، وإما أن يكون خلافها من جميع الوجوه، وإما أن يكون مثلها من بعض الوجوه دون بعض، فإن كان مثلها من جميع الوجوه دون بعض، فإن كان مثلها من جميع الوجوه، لزم أن يكون محدثًا، وإن كان مثلها من بعض الوجوه دون بعض، لزم من مماثلتها في ذلك البعض ما يلزمه من مماثلة لها من جميع الوجوه من الحدوث إذ الحدوث لازم للبعض كلزومه للكل، وإن كن خلافها من جميع الوجوه فمحال أن يفعلها؛ لأن الضد لا يفعل خلافه من جميع الوجوه.

وقالوا: فاعل العالم إما أن يكون فعله لإحراز منفعة أو دفع مضرة، أو طباعًا، أو لا لشيء من ذلك، فإن كان لمنفعة أو لدفع مضرّة، فهو محل للمنافع والمضار، وهذه صفة للمحدثات، وإن كان طباعًا، فالطباع موجبة لما حدث بها ففعله لم يزل معه، وإن كان لا لشيء من ذلك، فهذا لا يفعل.

وقالوا: لو كانت الأجسام محدثة قبل أن يحدثها فاعلًا لتركها، وتركها لا يخلو من أن يكون جسمًا أو عرضًا، وهذا يوجب أنَّ الأجسام والأعراض لم تزل موجودة.

أما إفساد الأول، فيقال: هل تدرك حقيقة شيء عندكم من غير طريق الرؤية والمشاهدة أولًا، فإن قالوا: إنها تدرك حقائق من غير طريق الرؤية، تركوا استدلالهم وأفسدوه، وإن قالوا: لا تدرك إلا بطريق المشاهدة، قيل لهم: فهل شاهدتم شيئًا قط لم يزل؟ فلا بد من نعم أو لا؟ فإن قالوا: لا، صدقوا وبطل قولهم، وإن قالوا: نعم، كابروا إذ مشاهدة الأشياء ذات أوّل بلا شك، وذو الأول غير الذي لم يزل.

وأما إفساد الثاني، فهذه قسمة ناقصة، وينقص منها القسم الثالث وهو إنه فعل كما شاؤا.

وأما إفساد الثالث فنقول: بل هو تعالى خلافها من جميع الوجوه، وإدخالكم عليه أنه حقيقة الضدّ والضدّ لا يفعل ضده فاسد؛ لأنّه تعالى لا يوصف بأنه ضد لخلقه؛ لأن الضد هو ما حمل التضاد والتضاد هو اقتسام الشيئين طرف له في البعد تحت جنس واحد، فإذا وقع أحدهما، ارتفع الآخر عن الباري .

وأما إفساد الرابع: إنَّ الفعل لإحراز منفعة أو لدفع مضرة فإنما يوصف به المخلوقون غير المختارين، وكلّها منفية عن الله تعالى، وأما القسم الثالث وهو إن فعل لا لشي من ذلك؛ فهذا قولنا.

وأما إفساد الخامس: إنها قسمة فاسدة؛ وذلك أنَّ الجسم هو الطويل العريض

<<  <  ج: ص:  >  >>