العميق، وترك الفعل ليس واحدًا من ذلك، فترك فعل الله للجسم إنما هو عدم محض، والعدم ليس معنى، وترك الفعل ليس فعلًا بخلاف خلقه؛ لأنَّ الترك من المخلوق للفعل فعل، برهان ذلك أنَّ ترك المخلوق للفعل لا يكون إلا بفعل منه آخر ضرورة كتارك الحركة لا يكون إلا بفعل السكون، وكتارك القيام لا يكون إلا باشتغاله بفعل آخر من قعود أو غيره.
ونورد البراهين على إثبات حدوث العالم وأن له محدثًا لا إله إلا هو:
«برهان أول»: إن كل شخص في العالم، وكل عرض في شخص وكل زمان فكل ذلك متناه ذو أول يشاهد ذلك حسًّا وعيانًا؛ لأنَّ تناهي الشخص ظاهر بمساحته وأيضًا بزمان وجوده، وتناهي العرض المحمول ظاهر بتناهي الجسم الحامل له، وتناهي الزمان موجود باستئناف ما يأتي منه لعدم الماضي وقتًا قبل وقت بعد وجوده، واستئناف آخر.
وكل جملة من جمل الزمان فهي مركبة من أزمنة متناهية، وكل جملة أشخاص فهي مركبة من أشخاص متناهية، وكل مركب فليس هو شيئًا غير أجزائه وأجزاؤه متناهية، فالجمل كلها بلا شك متناهية والعالم إنّما هو أشخاصه ومكانه وأزمانها ومحمولاتها فصح أن العالم أولًا.
«برهان ثانٍ»: إنَّ كل موجود بالفعل فقد حصره العدد، واختصته طبيعته، ومعنى الطبيعة، وحدها قوة في الشيء يوجد بها على ما هو عليه وحصر العدد وإحصاء الطبيعة نهاية صحيحة، والعالم كله محصور بالعدد محصى بالطبيعة فالعالم كله ذو نهاية.
«برهان ثالث»: إنَّ ما لانهاية له فلا سبيل إلى الزيادة فيه، إذ معنى الزيادة فيه إنما هو أن نضيف إلى ذي النهاية شيئًا من جنسه يزيد ذلك في عدده أو في مساحته، فإن كان الزمان لا أول له، يكون به متناهيًا في عدده الآن، فإذًا كلما زاد فيه ويزيد من الأزمنة مما يأتي فإنه لا يزيد في الزمان شيئًا وفي شهادة الحسّ ان كلما وجد من الأعوام على الأبد إلى زماننا هذا أكثر مما وجد من الأعوام على الأبد إلى وقت هجرة رسول الله ﷺ.
ولأن ما لا نهاية له فلا يمكن البتة أن يكون عددًا أكثر منه بوجه من الوجوه، فوجبت النهاية في الزمان من قبل ابتدائه ضرورة، ويجب أيضًا لمن ذلك ان الحس يوجب ضرورة إنَّ أشخاص الإنس مضافة إلى أشخاص الخيل أكثر من أشخاص الإنس مفردة عن أشخاص الخيل، ولو كانت الأشخاص لا نهاية لها، لوجب أنَّ ما له نهاية أكثر مما لا نهاية له، وهذا محال.
وأما ما لم يأتِ من زمان أو شخص أو عرض بعد، فليس ذلك شيئًا فلا يقع عليه