للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال (١): وعمدة حجة من أبطل النسخ أن قالوا: إنَّ الله يستحيل منه أن يأمر بالأمر ثم ينهى عنه، ولو كان كذلك، لعاد الحق باطلًا، والطاعة معصية، وعكس ذلك، قال: لا نعلم له حجة غير هذه، وهي أضعف ما يكون؛ لأنَّ من تدبر أفعال الله تعالى، تيقن بطلان قولهم، لأنَّ الله يحيي ثم يميت ثم يحيي.

قال (٢): ثم نقول لهم: ما يقولون فيمن كان من الأمم المقبول دخولها فيكم إذا أضرُّوكم أليس دماؤهم لكم حلالًا، وقتلهم طاعة؟ فلا بد من نعم. فنقول لهم: فإن دخلوا في شريعتكم، أليس قد حرمت دماؤهم عليكم وصار قتلهم عندكم معصية بعد أن كان طاعة؟! فلا بد من نعم؛ ثم إن عدوا في السبت قد عاد قتلهم حلالًا بعد أن كان حرامًا فلا بد من نعم.

وهذا إقرار ظاهر منهم ببطلان قولهم، وهكذا القول في جميع شرائعهم؛ لأنها إنما هي أوامر في وقت محدود بعمل محدود فإذا خرج ذلك الوقت عاد ذلك المأمور به منهيًا عنه كالعمل عندهم مباح في الجمعة، محرم في السبت، ثم يعود مباحًا في الأحد، وكالصيام والقرابين وسائر الشرائع كلها، وهذا بعينه هو نسخ الشرائع الذي أنكروه.

وأيضًا فإنَّ جميعهم مقرون بأنَّ شريعة يعقوب كانت غير الموسوية، وإن يعقوب تزوج، ليا وراحيل ابنتي لابان وجمعهما معًا، وهذا حرام في الموسوية، ولا فرق في العقول بين شيء أحله الله ثم حرَّمه، وبين شيء حرمه ثم أحله.

قال (٣): وفي توراتهم «البداء» - وهو أشد من النسخ - وذلك أنَّ الله تعالى، قال لموسى : سأهلك هذه الأمة وأقدمك على أمة أخرى عظيمة فلم يزل يرغب إلى الله في أن لا يفعل حتى أمسك عنهم؛ وهذا هو «البداء» بعينه، والكذب المقتات عن الله؛ لأنهم ذكروا أن الله أخبر أنه سيهلكهم ويقدمه على غيرهم ثم لم يفعل، تعالى الله عن هذا.

قال (٤): وأما الطائفة التي أجازت النسخ إلا أنها أخبرت أنه لم يكن، فيقال لهم: بأي شيء علمتم نبوة موسى، ووجوب طاعته فلا سبيل إلى أن يأتوا بشيء غير أعلامه الظاهرة وبراهينه: فيقال لهم: إذا وجب التصديق له والطاعة لأمره لما أظهر من إحالة الطبائع، فلا فرق بينه وبين آخر أتى بمعجزات غيرها. وبإحالة الطبائع وبضرورة العقل، فعلم انما أوجبه لنوع فإنه واجب لأجزائه كلها، وبهذا يجب تصديق موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.


(١) الفصل ١/ ٣٣٤.
(٢) الفصل ١/ ١١٩.
(٣) الفصل ١/ ١٢٠.
(٤) الفصل ١/ ١٢١.

<<  <  ج: ص:  >  >>