للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله يتولى العباد على ماهم صائرون إليه وإن كانوا في أكثر أحوالهم مؤمنين.

الوجه الخامس: في ذكر بعض حججهم والجواب عنها مختصرًا؛ لأنا لو أخذنا في الرد على كل فرقة من هؤلاء الفرق، لطال ذلك؛ لكنا نذكر الآن ما هم عليه متفقون من الرأي الفاسد وما احتجوا به والجواب عنه.

قال أبو المظفر الأسفراييني: وكل الخوارج متفقون على أمرين لا مزيد عليهما في الكفر والبدعة أحدهما: إنهم يزعمون أن عليًا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين وكل من رضي بالحكمين كفروا كلهم، والثاني يزعمون أن كل من أذنب ذنبًا من أمة محمد فهو كافر ويكون في النار خالدًا مخلدًا.

قالوا: والدليل على صحة قولنا الكتاب والسنة والمعقول؛ وكل ما ذكروه من الأدلة في ذلك فهو عليهم لالهم كما سنبينه. ويأبى كتاب الله أن يدل على الباطل بل ينفيه ويتركه هشيمًا تذروه الرياح، ولكن كما قيل: [من الوافر]

وكلُّ يدعونَ وصالَ ليلَى … وليلَى لا تَقِرُّ لهم بذاكا

أما ما شغبوا به من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) قالوا: وهذه صريحة في ان من لم يحكم بما أنزل الله، فهو كافر.

والجواب من وجهين أحدهما: أنه لا يعارض قولنا فيمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله معارضًا له كان كافرًا. وأما أن يقول ذلك لنوع هوى أو لجهل، فلا يكفر بذلك.

قال محمد بن نصر المروزي: الكفر كفران كفر هو جحد الله، وما قال فذاك يزيل عن المسلم الإقرار بالله والتصديق به وبما قال. والثاني كفر عمل وهو ضد الإيمان الذي هو عمل ألا ترى إلى قوله : «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه».

قالوا: فإذا لم يؤمن، فقد كفر ولا يجوز غير ذلك إلا أنه كفر من جهة العمل.

الوجه الثاني:

إنَّ حملهم هذه الآية على هذا المراد مخالف لاجماع السلف ومراغم له.

قال ابن عباس: هو به كفر وليس كمن كفر بالله، ولكنه كفر لا ينقل عن الملة.

وقال عطاء: كفر دون كفر.

وكذلك قال طاوس وغيره من العلماء.

واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ


(١) سورة المائدة: الآية ٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>