القدرة فظفروا به ظفر اللئام، وقدروا عليه، وقد ظن أنَّه ثَمَدٌ لا ينفع الهيام، فقال: أنا من بني تميم، كلمة دافع بها عن مقتله، ومانع بجهدها، وقد حان حلول أجله؛ فلما انكشفت حاله أنه التهامي، وكان قد أخذ خبره، وأخذ في الدخول تحت السراء قمره، فاعتقل في خزانة البنود، سجن القاهرة إذا ذاك. ومربط قوم لا يرجى لهم فكاك، ثم قتل سرًا ونقل إلى مسجد أعدّوه له قبرا، وذلك في سنة ست عشرة وأربعمائة.
وكان غائص درّ، وقانص كلام حرّ، شريف النسب، ظريف الأدب، بما في غريزته وما اكتسب فائق النظم كأنه ثغر رَدَاح، زانه الشنب، رائق الشعر كأنه كأس راح، يزوج ابن سحاب بابتة العنب، لا أعرف له نظيرًا من أهل زمانه الذاهب وأوانه الذي ذهب بالنهار وأبقى الغياهب وأرهب طائع الأيام، قالت: أن لا تطلع إلا في مسح راهب.
وله القصائد التي ما فيها بيت إلا يطوف به البادي والعالف، ويأوي إلى حرمه الآمن والخائف، لا يهيم الحادي بغيرها إذا زمزم، ولا يهوم الركب إلا سكر بسلاف نشيدها شوقًا إلى زمزم، لم يكن منه أبعد مرمى في تشبيه لا يخطيه، ومعنى على غير ما أخذ باعناق بعضه بعضًا من الكلام لا يمطيه.
وقد ذكره ابن بسام فقال (١): كان مشتهر الإحسان، ذرب اللسان، مخلى بينه وبين ضروب البيان، يدل شعره على فوز القدح. دلالة برد النسيم على الصبح، ويعرب عن مكانه من العلوم، وإعراب الدمع النموم، عن سرّ الهوى المكتوم، ومن شعره الذي جاوز الشعرى، وحاز درًا نظم به من سَبَج الثغور شعرًا قوله (٢): [من الكامل]
قَلَمٌ يُقَلِّمُ ظُفْرَ كُلِّ مُلِمَّةٍ … ويردُّ حَدَّ شَبَاتِهَا مَغْلُولا
ويضيء منه الطرس ساعة يكتسي … صدأ المداد ولا يضيء صقيلا
يلقى العدا من كتبه بكتائب … يجررنَ من زَرَدِ الحروف ذيولا
وترى الصحيفة حلبةً وجيادها … اقلامها وصَرِيرَهن صهيلا
نبلًا حَباها مِنْ رؤوس بنانها … ريشًا ومِنْ حُلل المدادِ نُصُولا
وقوله (٣): [من السريع]
قلتُ لخلي وثغور الرُّبي … مبتسمات وثغور الملاح
أيهما أحلى [به] منظرًا … فقال: لا أعلم كلُّ أُقاح
(١) الذخيرة ق ٤/ ج ٢/ ٥٣٧.
(٢) من قصيدة قوامها ٦٥ بيتًا في ديوانه ٢٦٧ - ٢٧١، انظر: الذخيرة ق ٤/ ج ٢/ ٥٤٠.
(٣) من قصيدة قوامها ٨٠ بيتًا في ديوانه ٩٦ - ١٠٢.