للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ربكم الأعلى) و (قال) (١) (ما علمت بكم من إله غيري) قال: صدقت، فأخبرني فمن خير أنت أم موسى بن عمران؟ قال: موسى كليم الله وصفيه، اصطنعه على نفسه وأتمنه على وحيه، كلمه من خلقه، قال: صدقت، أفما تعلم أنه لما بعثه الله وأخاه إلى فرعون قال لهما ﴿فقولا له قولًا لينا﴾ وهذا في عتوه وجبروته (٢) على ما قد علمت، وأنت جئتني وأنا بهذه الحال التي تعلم أكثر فرائض الله أؤديها، ولا أعبد سواه، أقف عند أكثر حدوده فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأبشعها، وأخشن الكلام وأفظعه، فلا بأدب الله تأدبت، ولا بأخلاق الصالحين أخَذْتَ فما كان يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيًّا، فقال الزاهد: أخطأت يا أمير المؤمنين، وأنا استغفر الله، قال: قد غفر الله لك وأمر له بعشرين الف درهم، فقال: لا حاجة لي (في) المال، فزجره هرثمة فقال له الرشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك المال لحاجتك إليه. ولكن من عادتنا ألا يُخاطب الخليفة أحد إلا وصله، فاقبل من صلتنا ماشئت فضعها حيث أحببت، فأخذ من المال ألفي درهم، وفرقها على مَنْ حَضَرَهُ.

وذكر (٣) ابن بختشوع (٤)، قال: كنت مع الرشيد بالرقة (٥) وكنت أول من يدخل عليه فأتعرف خبره في ليلته، ثم ينبسط، فيحدثني بخبر جواريه ومجلسه وشربه، ثم يسألني عن أخبار العامة وأحوالها، فدخلت عليه في غداة يوم، فرأيته عابسًا مفكرًا، مغمومًا، فوقفت بين يديه مليًا وهو على تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمت عليه، فقلت: يا سيدي جعلني الله فداك، ما حالك هكذا، فأخبرني بها (٦) فلعله يكون عندي دواؤها، فقال: ويحك يا جبريل ليس غمي وفكري لشيء مما ذكرت، لكن لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه، فأفزعتني وملأت صدري، وأقْرَحَتْ قلبي، فقلْتُ: فَرَّجْتَ عني يا أمير المؤمنين، فدنوت، فقبلت رجله، وقلت: هذا الغم كله لرؤيا إنما تكون في خاطر أو من بخارات رديئة من تهاويل السوداء، وإنما هي أضعاث أحلام بعد هذا


(١) الزيادة عن تاريخ الطبري.
(٢) في الأصل: جبريته.
(٣) الخبر في تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٢.
(٤) ابن بختيشوع هو جبرئيل بن بختشوع، طبيب هارون الرشيد وخليله، خدم الأمين بعده، وحبسه المأمون ثم أطلقه وأعاده إلى مكانته له تصانيف، مات بالمدائن سنة ٢١٣ هـ. انظر الوافي ١١/ ٥٠ والنجوم الزاهرة ٢/ ١٤٢.
(٥) الرقة مدينة مشهورة على الفرات، بينها وبين حران ثلاثة أيام معدودة من بلاد الجزيرة لانها من جانب الفرات الشرقي (ياقوت - الرقة).
(٦) بعده في تاريخ الطبري: أعلة فأخبرني بها.

<<  <  ج: ص:  >  >>