للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)[الملك: ١٣ - ١٤].

ولم يكونوا يستحقون ذلك، وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم شرائعه؛ إعذاراً إليهم، وإقامة للحجة عليهم، لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهو لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟.

فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم، حصل الثواب أو العقاب على معلومة الذي أظهره الابتلاء والاختبار، فهو سبحانه عليمٌ بكل شيء، وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا، وبما ركب فيهم من الشهوات، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)[مريم: ٥٩].

وقد اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع، في خفارة ذنوب المظلوم المبغى عليه، فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حق ظالمه.

كما أن المسئول إذا رد السائل، فهو في خفارة كذبه، ولو صدق السائل، لما أفلح مَنْ رده، وكذلك السارق، وقاطع الطريق، والغاصب والناصب، والمنتهك، والمختلس، في خفارة منع أصحاب الأموال حقوق الله فيها، ولو أدوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم.

وكذلك تسليط العالم بعضهم على بعض، وتمكين الجناة والبغاة، حتى أن الحيوان العادي على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم، يعيش في خفارة ما كسبت أيديهم، ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء، كما قال

<<  <  ج: ص:  >  >>