للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله، وأن قلوبهم بيده، وعصمتهم إليه، وأراهم عزته في قضائه، وبره وإحسانه في عفوه ومغفرته، وأشهدهم نفوسهم، وما فيها من النقص والظلم والجهل.

وأشهدهم حاجتهم إليه، وافتقارهم وذلهم بين يديه، وأنه إن لم يغفر لهم، ويعفو عنهم، فليس لهم سبيل إلى النجاة أبداً: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)[الأعراف: ٢٣].

فإنهم لما عزموا ألا يعصوه، ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم قدرته، وجميل ستره إياهم، وكريم حلمه عليهم، وسعة مغفرته لهم، فدعوه فأجابهم، وتاب عليهم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)[الزمر: ٥٣].

وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)[النساء: ١٢٣].

فلما تابوا إليه واستغفروه، عرفهم رحمته، وسعة مغفرته، وأشهدهم حمده العظيم، وبِره العميم، وكرمه في أن خلى بينهم وبين المعصية، فنالوها بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاك والفساد، بل تداركهم بالدواء الثاني الشافي فرحمهم، وجعل تلك الآثار التي توجبها المعصية من المحن والبلاء والشدائد، رحمة لهم، وسبباً إلى علو درجاتهم، ونيل الزلفى والكرامة عنده سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)[البقرة: ٢٤٣].

فأشهدهم العزيز الحكيم بالجناية عز ربوبيته، وذل عبوديتهم له، ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه، ونيل كرامته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ

<<  <  ج: ص:  >  >>