وهذا القمر، وهذه النجوم، والكواكب، وهذه الرياح، والسحب، وهذا الهواء كلها تمضي بشأنها بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته، بلا جهد منها، ولا كد، ولا محاولة: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٩ - ٤٠].
وهذه السماء المرفوعة، بما فيها من عجائب، والمخلوقات الهائلة، وهذه الأرض بما فيها من الآيات، والعبر، تخرج زرعها، وتقوت أبنائها، وتوارى موتاها، وتفجر ينابيعها، وفق سنة الله، بلا إرادة منها ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وهذا الماء الجاري، وهذه النباتات المختلفة، وهذه الأشجار المثمرة، وهذه الجبال العالية، وهذه البحار الواسعة، وهذه السهول، وهذه المهاد، وهذه البطاح كلها تؤدي دورها، وتطيع ربها، وتقوم بوظيفتها طائعة منقادة بإذن ربها، خاشعة لربها تنفذ أمره بلا إرادة منها.
هذه المخلوقات العظيمة في العالم العلوي وفي العالم السفلي، كلها أشفقت من أمانة تبعة، أمانة الإرادة، أمانة المعرفة الذاتية، أمانة المحاولة الخاصة، وحملها الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه، وشعوره، ويهتدي إلى بارئه بتدبره، وبصره، ويطيع الله بإرادته، وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته، ونزغاته، ومجاهدة ميوله، وشهواته: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].