للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حقًا إنها أمانة عظيمة، حملها هذا المخلوق صغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر، الظلوم، الجهول، الكفور، العجول، اليئوس، القنوط، الذي تحيط به المغريات، وتناوشه الشهوات، وتستبد به النزعات، والميول، والأطماع، وإنها حقًا لتبعةٌ ثقيلة جسيمة، وبسبب ظلمه لنفسه، وجهله بطاقته، زج نفسه لحملها، وأنه لمقامٌ عالٍ كريم، حين رضي الإنسان بالتبعة، ويصل لمعرفة بارئه، والاهتداء المباشر إلى ربه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه، كالمخلوقات الأخرى، التي فطرها الله على معرفته ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)[الأعلى: ١ - ٣].

فالمخلوقات الأخرى تعرف ربها مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطلع مباشرة، ولا يحول بينها، وبين بارئها حائل، ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد، والطاعة، والأداء، فهي جميعًا في العالم العلوي، والعالم السفلي، شاهدة بوحدانية الله، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته، وخاضعة لأمره، ومسبحة بحمده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)[الإسراء: ٤٤].

إن الإنسان حين يصل إلى هذه الدرجة، وهو واعٍ، مدركٍ، مريد، أنه يحصل حقًا إلى مقام كريم، ومكان عظيم بين خلق الله الفريد: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)[الإسراء: ٧٠].

إن الإرادة، والإدراك، والمحاولة، وحمل التبعة، هي ميزة الإنسان على كثير من خلق الله في السماء، والأرض، وهى مناط التكريم الذي أعلنه الله

<<  <  ج: ص:  >  >>