للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كانت الفتنة أشد وأقصى، وكان الابتلاء أشد، وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله.

وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في قلب الإنسان، وحاشا الله أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة، ولكنه الإعداد الحقيقي؛ لتحمل الأمانة فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية الشاقة، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله، أو في ثوابه على الرغم من طول الفتنة، وشدة الابتلاء، واقتحام الأهوال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)[يوسف: ١١٠].

والنفس تطهرها الشدائد، فتنفى عنها الخبث، وتستجيشوا كامن قواها، وتطرقها بعنف، وشدة، فيشتد عودها، وكذا تفعل الشدائد بالمؤمنين، فلا يبقى صامدًا إلا أصلبهم عودًا، وأشدهم اتصالًا بالله وثقة فيما عند الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)[الأنفال: ٢].

وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية، مؤتمنين عليها بعد الاستعداد، والاختبار، وإن هؤلاء الأخيار من المسلمين يتسلمون الأمانة وهى عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالٍ ثمين، وبما أدوا لها من عال الثمن، وبما بذلوا لها من الصبر على المحن، وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام،

<<  <  ج: ص:  >  >>