(عَنْ) عَمَّتِهِ (عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً) ، بِضَمِّ النُّونِ، وَالرَّاءِ، وَبِكَسْرِهِمَا، رِوَايَتَانِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ، وَقَافٌ مَفْتُوحَةٌ، وَحُكِيَ تَثْلِيثُ النُّونِ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ (فِيهَا تَصَاوِيرُ) ، أَيْ: تَمَاثِيلُ حَيَوَانٍ، (فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ) الْحُجْرَةَ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَجَعَلَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ "، (فَعَرَفَتْ) عَائِشَةُ (فِي وَجْهِهِ) الْوَجِيهِ (الْكَرَاهِيَةَ) - بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَخِفَّةِ الْيَاءِ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَإِسْقَاطِ الْيَاءِ، (وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ) فِيهِ التَّوْبَةُ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ إِجْمَالًا، وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرِ التَّائِبُ خُصُوصَ الذَّنْبِ الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ مُؤَاخَذَاتُهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ حُسْنُ أَدَبٍ مِنَ الصِّدِّيقَةِ حَيْثُ قَدَّمَتِ التَّوْبَةَ عَلَى اطِّلَاعِهَا عَلَى الذَّنْبِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ: مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ أَيْ: مَا اطَّلَعَتْ عَلَى الذَّنْبِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟) مَا شَأْنُهَا فِيهَا تَمَاثِيلُ، (قَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدُهَا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْأَصْلُ: وَتَتَوَسَّدُهَا.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّورَةِ) الْحَيَوَانِيَّةِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَهَا يُضَاهِئُونَ بِهَا خَلْقَ اللَّهِ، (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ، وَضَمِّ الْيَاءِ - (مَا خَلَقْتُمْ) صَوَّرْتُمْ كَصُورَةِ الْحَيَوَانِ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّعْجِيزِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي صَوَّرُوهَا، فَيَدُومُ تَعْذِيبُهُمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» "، أَيْ: أَبَدًا فَهُوَ مُعَذَّبٌ دَائِمًا لِأَنَّهُ جَعَلَ غَايَةَ عَذَابِهِ إِلَى أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَافِخٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْلِيدَهُ فِي النَّارِ، لَكِنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ كَفَرَ بِالتَّصْوِيرِ، أَمَّا غَيْرُهُ وَهُوَ الْعَاصِي يَفْعَلُ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَهُ، وَلَا قَاصِدٍ أَنْ يَعْبَدَ، فَيُعَذَّبُ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ عَذَابًا يَسْتَحِقُّهُ، ثُمَّ يَخْلُصُ مِنْهُ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ بِالْوَعِيدِ بِعِقَابِ الْكَافِرِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الِارْتِدَاعِ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ إِلَّا أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَقَوْلُهُ: كُلِّفَ لَا يُنَافِي أَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ تَكْلِيفُ عَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا التَّكْلِيفِ، فَلَا يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ نَفْسَهُ عَذَابٌ.
(ثُمَّ قَالَ: إِنِ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ) الْحَيَوَانِيَّةُ، فَلَا بَأْسَ بِصُورَةِ الْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.