قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْغِنَاءَ عَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا الْقَوْلَ بِمَا لَا عِلْمَ لِلْقَائِلِ بِهِ; وَهُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ. قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: "إذَا أُوذُوا مَرُّوا كِرَامًا صَفَحُوا". وَرَوَى أَبُو مَخْزُومٍ عَنْ سنان: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} قَالَ: "إذَا مَرُّوا بِالرَّفَثِ كَنَوْا". وَقَالَ الْحَسَنُ: "اللَّغْوُ كُلُّ الْمَعَاصِي". قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّهُ قَبْلَ الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ.
وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} قِيلَ: "لَازِمًا مُلِحًّا دَائِمًا"، وَمِنْهُ الْغَرِيمُ لِمُلَازَمَتِهِ وَإِلْحَاحِهِ، وَإِنَّهُ لَمُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ أَيْ مُلَازِمٌ لَهُنَّ لَا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ; وَقَالَ الْأَعْشَى:
إنْ يُعَاقِبْ يكن غراما وإن يعـ ... ـط جَزِيلًا فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ:
يَوْمَ النِّسَارِ وَيَوْمَ الْجِفَا ... رِ كَانَا عَذَابًا وَكَانَا غَرَامَا
قَالَ لَنَا أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ: أَصْلُ الْغُرْمِ اللُّزُومُ فِي اللُّغَةِ; وَذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا قَدَّمْنَا. وَيُسَمَّى الدَّيْنُ غُرْمًا وَمَغْرَمًا; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اللُّزُومَ وَالْمُطَالَبَةَ، فَيُقَالُ لِلطَّالِبِ الْغَرِيمُ; لِأَنَّ لَهُ اللُّزُومَ وَلِلْمَطْلُوبِ غَرِيمٌ; لِأَنَّهُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ اللُّزُومُ; وَعَلَى هَذَا قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ غُنْمَهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" يَعْنِي دَيْنَهُ الَّذِي هُوَ مَرْهُونٌ بِهِ. وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْغُرْمَ الْهَلَاكُ; قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا خَطَأٌ فِي اللُّغَةِ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ غَرِيمٌ إلَّا مُفَارِقًا غَرِيمَهُ غَيْرَ جَهَنَّمَ فَإِنَّهَا لَا تُفَارِقُ غَرِيمَهَا".
قَوْله تَعَالَى: {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} قَالَ الْحَسَنُ: "قُرَّةُ الْأَعْيُنِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَمِنْ أَخِيهِ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى" وَقَالَ: "وَاَللَّهِ مَا شَيْءٌ أَقَرُّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ أَوْ أَخَاهُ أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى". وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: "أَقَرُّ بِهِمْ عَيْنًا أَنْ يُطِيعُوك". وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي الزاهرية عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ رُزِقَ إيمَانًا وَحُسْنَ خُلُقٍ فَذَاكَ إمَامُ الْمُتَّقِينَ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} "نَأْتَمُّ بِمَنْ قَبْلَنَا حَتَّى يَأْتَمَّ بِنَا مَنْ بَعْدَنَا". وقَوْله تَعَالَى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا يَصْنَعُ بِكُمْ رَبِّي وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْكُمْ لَوْلَا دُعَاؤُهُ إيَّاكُمْ إلَى طَاعَتِهِ لِتَنْتَفِعُوا أَنْتُمْ بِذَلِكَ. آخِرُ سُورَةِ الْفُرْقَانِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.