إِذَا أَمْسَى وَلَمْ يَفْرُغْ فِيهِ مِنْ حَوَائِجِ يَوْمِهِ وَصَلَ يَوْمِهِ بِلَيْلَتِهِ إِلى أَنْ أَمْسَى مَسَاءً وَقَدْ فَرِغَ حَوَائِجَ يَوْمِهِ فَدَعَا بِسِرَاجِهِ الَّذِي كَانَ مِنْ مَالِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْعَى وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى يَدَيْهِ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ يَشْهَقُ الشَّهْقَةَ يَكَادُ يَنْصَدِعُ قَلْبُهُ لَهَا وَتَخْرُجُ لَهَا نَفْسُهُ حَتَّى إِذَا بِرَقَ الصُّبْحُ أَصْبَحَ صَائِمًا فَدَنَوْتُ مِنْهُ.
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَيْسَ مِنْكَ مَا كَانَ قَالَ: أَجَلْ فَعَلَيْكِ بِشَأْنِكَ وَخَلِّينِي وَشَأْنِي قَالَتْ: فَقُلْتُ إِنِّي أَرْجُو أَنْ أَتَّعِظَ قَالَ: إِذَنْ أُخْبِرُكَ إِنِّي نَظَرْتُ فَوَجَدْتُنِي قَدْ وُلِّيْتُ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَسْوَدَهَا وَأَحْمَرَهَا.
ثُمَّ ذَكَرْتُ الْفَقِيرَ الْجَائِعَ وَالْغَرِيبَ الضَّائِعَ وَالأَسِيرَ الْمَقْهُورِ وَذَا الْمَالِ الْقَلِيلِ وَالْعِيَالِ الْكَثِيرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فِي أَقَاصِي الْبِلادِ وَأَطْرَافِ الأَرْضِ فَعَلِمْتُ أَنَّ اللهَ سَائِلِي عَنْهُمْ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ? حَجِيجِي فِيهِمْ فَخِفْتُ أَنْ لا يَقْبَلَ اللهُ مِنِّي مَعْذِرَتِي فِيهِمْ وَلا تَقُومُ لِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ? حُجَّةٌ فَرَحِمْتُ وَاللهِ يَا فَاطِمَةُ نَفْسِي رَحْمَةً دَمَعَتْ لَهَا عَيْنِي وَوَجِعَ لَهَا قَلْبِي فَأَنَّا كُلَّمَا ازْدَدْتُ لَهَا ذِكْرًا ازْدَدْتُ مِنْهَا خَوْفًا فَاتَّعِظِي إِنْ شِئْتِ أَوْ ذَرِي.
وَكَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِهِ كَلامُهُمْ وَبَحْثُهُمْ فِي الاعْتِنَاءِ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ? وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَسِيرَةِ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْبَحْثِ عَنِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالأَرَامِلِ وَالأَيْتَامِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وهَكَذَا النَّاسُ فِي كُلِّ عَصْرٍ تَبَعُ مُلُوكِهِمْ وَقَادِتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ غَالِبًا.
وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حُبُّ الْعَدَالَةِ وَالإِنْصَافِ رَكِيزَةٌ فِي نَفْسِهِ وَمِنْ لُطْفِ اللهِ بِهِ أَنْ وَهَبَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ أُعْجُوبَةَ التَّارِيخ، كَانَ نَاشِئًا لَمْ يُجَاوِزْ عِشْرِينَ عَامًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ لَهُ أَنَّهُ مُنْذُ صِغَرِهِ قَوِيُّ الإِيمَانِ وَرَعًا زَاهِدًا، يَقْتَحِمُ عَلَى أَبِيهِ فِي مَجْلِسِهِ وَنَادِيهِ وَمَخْدَعِ نَوْمِهِ وَقَيْلُولَتِهِ يَحُثُّهُ وَيَعِظُهُ وَيَذكُرُهُ بِاللهِ وَيُوقظه وَينهيه إلا يؤخر مظلمةً الناس مخافة أن يَحْمَّ الأَجَلُ فَتَسُوءُ الْمَغَبَّةُ وَتَلْتَهِبُ عَلَى أَبِيهِ النَّارُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.