[بَاب مَا يَتَوَقَّى الْمُحْرِم وَمَا أُبِيحَ لَهُ] [مَسْأَلَةٌ يَتَوَقَّى فِي إحْرَامِهِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ]
ُ (٢٣١٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم: (وَيَتَوَقَّى فِي إحْرَامِهِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْ الرَّفَثِ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَالْفُسُوقِ، وَهُوَ السِّبَابُ، وَالْجِدَالِ، وَهُوَ الْمِرَاءُ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ (مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ) قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٧] . وَهَذَا صِيغَتُهُ صِيغَةُ النَّفْيِ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: ٢٣٣] . وَالرَّفَثُ: هُوَ الْجِمَاعُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: الرَّفَثُ: غَشَيَانُ النِّسَاءِ، وَالتَّقْبِيلُ، وَالْغَمْزُ، وَأَنْ يَعْرِضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنْ الْكَلَامِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ لَغَا الْكَلَامِ. وَأَنْشَدَ قَوْلَ الْعَجَّاجِ: عَنْ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وَقِيلَ: الرَّفَثُ؛ هُوَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ ذِكْرِ الْجِمَاعِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَنْشَدَ بَيْتًا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ الْجِمَاعِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّمَا الرَّفَثُ مَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاءُ. وَفِي لَفْظٍ: مَا قِيلَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ النِّسَاءِ. وَكُلُّ مَا فُسِّرَ بِهِ الرَّفَثُ يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَجْتَنِبَهُ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْجِمَاعِ أَظْهَرُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْأَئِمَّةِ لَهُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: ١٨٧] فَأَمَّا الْفُسُوقُ: فَهُوَ السِّبَابُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْفُسُوقُ الْمَعَاصِي. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ. وَقَالُوا أَيْضًا: الْجِدَالُ الْمِرَاءُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَك حَتَّى تُغْضِبَهُ. وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٧] . أَيْ: لَا مُجَادَلَةَ، وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْلَى.
[مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ لِلْمُحْرِمِ قِلَّة الْكَلَام إلَّا فِيمَا يَنْفَع]
(٢٣١٩) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قِلَّةُ الْكَلَامِ، إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَحْرَمَ كَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ قِلَّةَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ حَالٍ، صِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ اللَّغْوِ، وَالْوُقُوعِ فِي الْكَذِبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ، فَإِنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . قَالَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.