؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ، وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَجِيءَ إلَى الْبَائِعِ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ، فَيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اُشْتُرِيَ بِهِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا، فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ. وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَاطِبِ.
فَإِنْ خَالَفَ وَعَقَدَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ عَرْضُ سِلْعَتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ قَوْلُهُ الَّذِي فَسَخَ الْبَيْعَ مِنْ أَجْلِهِ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الضَّرَرُ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصِّلُ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ لَا يَسُمْ الرَّجُلُ عَلَى سَوَّمَ أَخِيهِ]
(٣١٠٢) فَصْلٌ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَسُمْ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدِهَا، أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْبَائِعِ تَصْرِيحٌ بِالرِّضَا بِالْبَيْعِ، فَهَذَا يُحَرِّمُ السَّوْمَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ النَّهْيُ. الثَّانِي، أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا فَلَا يَحْرُمُ السَّوْمُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ فِي مَنْ يَزِيدُ فَرَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشِّدَّةَ وَالْجَهْدَ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا بَقِيَ لَك شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَلَى، قَدَحٌ وَحِلْسٌ، قَالَ: فَأْتِنِي بِهِمَا فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَقَالَ مَنْ يَبْتَاعُهُمَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ، فَبَاعَهُمَا مِنْهُ.» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَذَا أَيْضًا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، يَبِيعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ.
الثَّالِثُ، أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا عَلَى عَدَمِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّوْمُ أَيْضًا، وَلَا الزِّيَادَةُ؛ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، حِينَ ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، كَمَا نَهَى عَنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ،» فَمَا أُبِيحَ فِي أَحَدِهِمَا أُبِيحَ فِي الْآخَرِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.