فَكَانَ لِمَعْنًى فِيهِ.
فَأَمَّا تَحْدِيدُهُ بِالسَّبْعِ؛ فَإِنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ جَازَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ. وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ. وَهِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ أَتَى أَبَا بَكْرٍ بِامْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، فَنَفَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَهَبَهَا لَهُ. وَأُهْدِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَارِيَةُ، وَأُخْتُهَا سِيرِينَ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِيرِينَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَرَكَ مَارِيَةَ لَهُ» .
وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَصِيرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَالْعَادَةُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأَحْرَارِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوِّجُ ابْنَتَهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَوَلَدِهَا إذَا افْتَرَقَ الْأَبَوَانِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى مِمَّنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ]
(٣١٨٤) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى مِمَّنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ، كَالسُّلْطَانِ الظَّالِمِ، وَالْمُرَابِي؛ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَبِيعَ مِنْ حَلَالِ مَالِهِ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَرَامٌ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مِلْكُهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ، كَرِهْنَاهُ لِاحْتِمَالِ التَّحْرِيمِ فِيهِ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ؛ لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ، قَلَّ الْحَرَامُ أَوْ كَثُرَ. وَهَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ، وَبِقَدْرِ قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ، تَكُونُ كَثْرَةُ الشُّبْهَةِ وَقِلَّتُهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؛ لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَحِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَفِي لَفْظِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «فَمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْمَأْثَمِ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ.» وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك.» وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. فَصْلٌ: وَالْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ الْأَوَّلُ، مَا أَصْلُهُ الْحَظْرُ، كَالذَّبِيحَةِ فِي بَلَدٍ فِيهَا مَجُوسٌ وَعَبَدَةُ أَوْثَانٍ يَذْبَحُونَ، فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَابِحُهَا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ ظَاهِرٍ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهَا أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَجُوس، لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهَا لِذَلِكَ. وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك، فَخَالَطَ أَكْلُبًا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.