فَقَالَتْ: إنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَاحِكًا وَقَالَ: لَعَلَّك تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَك وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا غَنِيَّةٌ عَنْ الْإِطَالَةِ فِيهِ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَطَأَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي وَطْئًا يُوجَدُ فِيهِ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ إلَّا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ مِنْ بَيْنِهِمْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا لَا يُرِيدُ بِهِ إحْلَالًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ هَذَا إلَّا الْخَوَارِجَ أَخَذُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] وَمَعَ تَصْرِيحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الثَّانِي عُسَيْلَتَهَا وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ لَا يَعْرُجُ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ، وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ الْمَصِيرُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ مَا عَلَيْهِ جُمْلَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ مَسْرُوقٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الشَّامِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمْ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِلْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ لِحِلِّهَا لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ]
(٦٠٧١) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِحِلِّهَا لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا سَيِّدُهَا لَمْ يُحِلَّهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] وَهَذَا لَيْسَ بِزَوْجٍ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ لَمْ تُبَحْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَبْرَأَهَا مُطَلِّقُهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَخْتَصُّ الزَّوْجِيَّةَ فَأَثَّرَ فِي التَّحْرِيمِ بِهَا وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِهَا فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ وَلِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا مُبَاحًا فَسَقَطَ هَذَا الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يُحِلَّهَا الْوَطْءُ فِيهِ وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادٌ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يُحِلُّهَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ زَوْجٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ فَسَمَّاهُ مُحَلِّلًا مَعَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.