تَقَدَّمَ الْقَطْعُ أَوْ تَأَخَّرَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ تَلِفَ الطَّرَفُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْقَطْعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا لَوَاحِدٍ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا، كَقَطْعِ يَدَيْ رَجُلَيْنِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ، قُطِعَ وَقُتِلَ. وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةٍ، فَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ مِنَّا وَمِنْهُمْ عَلَى انْتِفَاءِ التَّدَاخُلِ فِي الْأَصْلِ، فَكَيْفَ يَقِيسُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَنْقَلِبُ دَلِيلًا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: قَطَعَ وَقَتَلَ، فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ، وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَدَاخَلْ حَقُّ الْوَاحِد، فَحَقُّ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى، وَيَبْطُلُ بِهَذَا مَا قَالَهُ مِنْ الْمَعْنَى.
[فَصْلٌ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ يَمِينِ رَجُلٍ وَيَمِينًا لِآخَرَ]
(٦٦٧٧) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ يَمِينِ رَجُلٍ، وَيَمِينًا لِآخَرَ، وَكَانَ قَطْعُ الْإِصْبَعِ أَسْبَقِ، قُطِعَتْ إصْبَعُهُ قِصَاصًا، وَخُيِّرَ الْآخَرُ بَيْنَ الْعَفْوِ إلَى الدِّيَةِ، وَبَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ دِيَةِ الْإِصْبَعِ. ذَكَره الْقَاضِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بَعْضَ حَقِّهِ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَوْجُودِ، وَأَخْذُ بَدَلِ الْمَفْقُودِ، كَمَنْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا لِرَجُلٍ، فَوَجَدَ بَعْضَ الْمِثْلِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُخَيَّرُ بَيْن الْقِصَاصِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُ، وَبَيْنَ الدِّيَةِ. هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ كَالنَّفْسِ.
وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْيَدِ سَابِقًا عَلَى قَطْعِ الْإِصْبَعِ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ قِصَاصًا، وَلِصَاحِبِ الْإِصْبَعِ أَرْشُهَا. وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا قَتَلَ رَجُلًا، ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ، حَيْثُ قَدَّمْنَا اسْتِيفَاءَ الْقَطْعِ مَعَ تَأَخُّرِهِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي النَّفْسِ، بِدَلِيلِ أَنَّا نَأْخُذُ كَامِلَ الْأَطْرَافِ بِنَاقِصِهَا، وَأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَنَقْصَ الْإِصْبَعِ يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي الْيَدِ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ، وَاخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا. وَإِنْ عَفَا صَاحِبُ الْيَدِ، قُطِعَتْ الْإِصْبَعُ لِصَاحِبِهَا، إنْ اخْتَارَ قَطَعَهَا.
[مَسْأَلَةٌ جَرَحَهُ جُرْحًا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِلَا حَيْفٍ]
(٦٦٧٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا جَرَحَهُ جُرْحًا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِلَا حَيْفٍ، اُقْتُصَّ مِنْهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْجُرُوحِ، إذَا أَمْكَنَ؛ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: ٤٥] . وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ، «كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الْأَرْشَ، فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ، فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.