[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الِاعْتِرَافَ]
(٦٧٩٩) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَتْلِ خَطَأٍ، أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ، لَوَجَبَ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِمْ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ شَخْصٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي أَنْ يُوَاطِئَ مَنْ يُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ لِيَأْخُذَ الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَتِهِ، فَيُقَاسِمَهُ إيَّاهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ حَالَّةً فِي مَالِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مُوجِبُ إقْرَارِهِ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ. وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: ٩٢] . وَلِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ مَالٍ، أَوْ بِمَا لَا تَحْمِلُ دِيَتَهُ الْعَاقِلَةُ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مَضْمُونٌ، فَيَضْمَنُ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ، كَسَائِرِ الْمَحَالِّ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ عَنْهُ الدِّيَةُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ لِتَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ لَهَا، فَإِذَا لَمْ تَحْمِلْهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، كَجِنَايَةِ الْمُرْتَدِّ.
[الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة لَا تَحْمِل الْعَاقِلَة مَا دُونَ الثُّلُث]
(٦٨٠٠) الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ. وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَعَبْدُ الْعَزِيز، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَالَ: لَا تَحْمِلُ الثُّلُثَ أَيْضًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: تَحْمِلُ السِّنَّ، وَالْمُوضِحَةَ، وَمَا فَوْقَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْغُرَّةَ الَّتِي فِي الْجَبِينِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَلَا تَحْمِلُ مَا دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ. وَالصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهَا تَحْمِلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ؛ لِأَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَثِيرَ حَمَلَ الْقَلِيلَ، كَالْجَانِي فِي الْعَمْدِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي الدِّيَةِ أَنْ لَا يُحْمَلَ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَقْلَ الْمَأْمُومَةِ. وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَصْلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ، وَبَدَلُ مُتْلَفِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْجِنَايَاتِ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي الثُّلُثِ فَصَاعِدًا، تَخْفِيفًا عَنْ الْجَانِي، لِكَوْنِهِ كَثِيرًا يُجْحَفُ بِهِ، قَالَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.