: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ مَرْوَانَ، ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ أَمْرُهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ، وَإِلَّا قُتِلَتْ» . وَلِأَنَّهَا شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّلَ دِينَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، فَيُقْتَلُ كَالرَّجُلِ. وَأَمَّا نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً، وَكَانَتْ كَافِرَةً أَصْلِيَّةً، وَلِذَلِكَ نَهَى الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُرْتَدٌّ. وَيُخَالِفُ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ الطَّارِئَ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْتَلُ أَهْلُ الصَّوَامِعِ، وَالشُّيُوخُ وَالْمَكَافِيفُ، وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى تَرْكِهِ بِضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ، وَالْكُفْرُ الطَّارِئُ بِخِلَافِهِ، وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ؛ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا بَنُو حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ تَقَدَّمَ لَهُ إسْلَامٌ، وَلَمْ يَكُنْ بَنُو حَنِيفَةَ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا كَانُوا رِجَالًا، فَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ، مِنْهُمْ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ ارْتَدَّ مِنْهُمْ الدَّجَّالُ الْحَنَفِيُّ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي الرِّدَّة لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ عَاقِلٍ]
الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ عَاقِلٍ، فَأَمَّا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، كَالطِّفْلِ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ، وَالْمَجْنُونِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ يُبَاحُ شُرْبُهُ، فَلَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا ارْتَدَّ فِي حَالِ جُنُونِهِ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ عَمْدًا، كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، إذَا طَلَبَ أَوْلِيَاؤُهُ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَمْ يُؤَاخَذْ بِكَلَامِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي إقْرَارِهِ، وَلَا طَلَاقِهِ، وَلَا إعْتَاقِهِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ، وَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ، فَنَذْكُرُ حُكْمَهُمَا فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
[الْفَصْل الثَّالِثُ الْمُرْتَدّ لَا يَقْتُل حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا]
(٧٠٨٦) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.