وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ.» رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِيُّ، فِي الْوَظَائِفِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: ٣٦] .
وَالْقَانِعُ: السَّائِلُ يُقَالُ: قَنِعَ قَنُوعًا. إذَا سَأَلَ وَقَنِعَ قَنَاعَةً إذَا رَضِيَ. قَالَ الشَّاعِر:
لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنْ الْقَنُوعِ
وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيك. أَيْ يَتَعَرَّضُ لَك لِتُطْعِمَهُ، فَلَا يَسْأَلُ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَالْمُتَصَدَّقِ بِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي آيَتِنَا، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ، وَابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ بِأَمْرِهِ. وَأَمَّا خَبَرُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، فَهُوَ فِي الْهَدْيِ، وَالْهَدْيُ يَكْثُرُ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنْ قَسْمِهِ، وَأَخْذِ ثُلُثِهِ، فَتَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بِهَا، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاسِعٌ، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا كُلِّهَا أَوْ بِأَكْثَرِهَا جَازَ، وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا إلَّا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بِهَا جَازَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ أَكْلُهَا كُلِّهَا. وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: ٣٦] . وَقَالَ: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: ٢٨] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْهَا، وَلَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهَا؛ لِلْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِنْهَا. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا، وَقَالَ " مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ ". وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِهَا فَلَمْ يَجِبْ الْأَكْلُ مِنْهَا، كَالْعَقِيقَةِ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، أَوْ الْإِبَاحَةِ، كَالْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ، وَالنَّظَرِ إلَيْهَا.
[فَصْل يَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ]
(٧٨٧٨) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيٌّ، وَلَا ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَامْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» رَوَاهُ. مُسْلِمٌ. وَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.