مُجَرَّدُ عَدَمِ التَّمَاثُلِ -كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ كَثِيرٍ مِن النُّظَّارِ- وَمِنْه قَوْلُهُ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢] [١٣/ ١٩]
* * *
[المقصود بالنسخ عند السلف]
١٣٤٥ - اللهُ جَعَلَ الْمُحْكَمَ مُقَابِلَ الْمُتَشَابِهِ تَارَة، وَمُقَابِلَ الْمَنْسُوخِ أُخْرَى.
وَالْمَنْسُوخُ يَدْخُلُ فِيهِ فِي اصْطِلَاحِ السَّلَفِ -الْعَامِّ- كُلّ ظَاهِرٍ تُرِكَ ظَاهِرُهُ لِمعَارِض رَاجِحٍ؛ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّ هَذَا مُتَشَابِه لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، ويدْخُلُ فِيهِ الْمُجْمَلُ؛ فَإِنَّهُ مُتَشَابِه، وَإِحْكَامُه رَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِن الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ بِمُرَاد، وَكَذَلِكَ مَا رُفِعَ حُكْمُهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ نَسْخًا لِمَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ (١).
(١) ومن الأمثلة على ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم (١٢٥)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)} [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أصْحَابِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أيْ: رَسُولَ اللهِ، كُلفْنَا مِنَ الْأعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلَاةَ وَالصيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ أنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَة وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أترِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَينَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأطَعْنَا غفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرأهَا الْقومُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)} [البقرة: ٢٨٥]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسخَهَا الله تَعَالَى، فَأنْزَلَ اللهُ -عز وجل-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} إلى آخر الآية. [البقرة: ٢٨٦].فالآية الأولى عامة، وما بعدها مُخصِّصٌ لها، قال العلَّامة محمد رشيد رضى -بعد أن ردَّ على من قال بأنّ الآية منسوخة حسب مفهوم المتأخرين للنسخ-: وَأمَّا تَسْمِيَةُ بَعْضهِمْ ذَلِكَ نَسْخًا فَقَد أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْمُفَسرِينَ: بِأنهُ عَبرَ بِالنسْخِ عَنِ الْبَيَانِ وَالإيضَاحِ تَجَوزًا. وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: إِن الْمُرَادَ بِهِ النسْخُ اللغوِيُ وَهُوَ الإزالَةُ وَالتحْوِيلُ لَا الِاصْطِلَاحِي؛ أيْ: إِن الآيةَ =
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.