الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَلَبَنِ الْخَيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُسْكِرُ، وَأَمَّا الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُسْكِرُ فَلَا يَحْرُمُ.
وَأَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ الَّذِي إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهُوَ خَمْرٌ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
والْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ.
فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- قَالَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ-صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِن خَمْسَةٍ: مِن الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ" (١).
وَقَد اسْتَفَاضَت الْأَحَادِيثُ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَهُوَ حَرَامٌ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَن الْبِتْعِ- وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ -وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" .. وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٣) وَغَيْرِهِ عَن ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (٤).
وَلَكِنَّ عُذْرَ مَن خَالَفَهَا مِن أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ، وَسَمِعُوا أَنَّ مِن الصَّحَابَةِ مَن شَرِبَ النَّبِيذَ، وَبَلَغَتْهُم فِي ذَلِكَ آثَارٌ، فَظَنُّوا أَنَّ الَّذِي شَرُبوهُ كَانَ مُسْكِرًا، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ الصَّحَابَةُ هُوَ مَا نبِذَ فِي الْأوْعِيَةِ الصُّلْبَةِ.
فَلَمَّا سَمِعَ طَائِفَةٌ مِن عُلَمَاءِ الْكوفَةِ أَنَّ مِن السَّلَفِ مَن شَرِبَ النَّبِيذَ ظَنُّوا
(١) رواه البخاري (٤٦١٩)، ومسلم (٣٠٣٢).(٢) رواه البخاري (٥٥٨٥)، ومسلم (٢٠٠١).(٣) (٢٠٠٣).(٤) قال الشيخ في موضع آخر: هَذَا يُبَيِّنُ أنَّهُ أَرَادَ كُلَّ شَرَاب كَانَ جِنْسُهُ مُسْكِرًا حَرَامٌ، سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهُ أو لَمْ يَسْكَرْ، كَمَا فِي خَمْرِ الْعِنَبِ، وَلَو أَرَادَ بِالْمُسْكِرِ الْقَدَحَ الْأخِيرَ فَقَطْ لَمْ يَكُن الشرَابُ كُلُّهُ حَرَامًا، وَلَكَانَ بَيَّنَ لَهُم فيَقُولُ: اشْرَبُوا مِنْهُ وَلَا تَسْكَرُوا. (٣٤/ ١٩٤)
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.