يَفُوتَكَ مِنِّي شَيْءٌ.
فَتَهَلَّلَ مُنذرُ بنُ سَعِيْدٍ، وَقَالَ: يَا غُلاَمُ احملِ المِمْطَرَةَ (١) مَعَكَ، إِذَا خَشَعَ جَبَّارُ الأَرضِ رَحِمَ جَبَّارُ السَّمَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَفِيْفٍ: مِنْ أَخبارِهِ المحفوظَةِ: أَنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ عَمِلَ فِي بَعْضِ سُطُوحِ الزَّهْرَاءِ قُبَّةً بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَجَلَسَ فِيْهَا، وَدَخَلَ الأَعْيَانُ، فَجَاءَ مُنذرُ بنُ سَعِيْدٍ، فَقَالَ لَهُ الخَلِيْفَةُ كَمَا قَالَ لِمَنْ قَبْلَهُ: هَلْ رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ أَنَّ أَحَداً مِنَ الخُلَفَاءِ قَبْلِي فَعَلَ مِثْلَ هَذَا؟ فَأَقْبَلَتْ دُمُوعُ القَاضِي تَتَحَدَّرُ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا ظَنَنْتُ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْكَ هَذَا المَبْلَغَ، أَنْ أَنْزَلَكَ مَنَازِلَ الكُفَّارِ، قَالَ: لِمَ؟
فَقَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أَمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهُمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلمُتَّقِيْنَ} [الزُّخْرُف:٣٣ - ٣٤] فَنَكَسَ النَّاصِرُ رَأْسَهُ طَوِيْلاً، ثُمَّ قَالَ: جَزَاكَ اللهُ عَنَّا خَيراً وَعَنِ المُسْلِمِينَ، الَّذِي قُلْتَ هُوَ الحَقُّ، وَأَمَرَ بِنَقْضِ سَقْفِ القُبَّةِ.
وَخَطَبَ يَوْماً فَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَقَالَ: حَتَّى مَتَى أَعِظُ وَلاَ أَتَّعِظُ، وَأَزجُرُ وَلاَ أَزدَجِرُ، أَدُلُّ عَلَى الطَّرِيْقِ المُسْتَدِلِّيْنَ، وَأَبقَى مُقيماً مَعَ الحَائِرِينَ، كلاَّ إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاَءُ المُبِيْنُ.
اللَّهُمَّ فَرَغِّبْنِي لِمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وَلاَ تَشْغَلْنِي بِمَا تَكَفَّلْتَ لِي بِهِ.
وَقَدِ اسْتغرقَ مرَّةً فِي خطْبَتِهِ بِجَامعِ الزَّهرَاءِ فَأَدْخَلَ فِيْهَا: {أَتبنُوْنَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُوْنَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُوْنَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبِّارِيْنَ} [الشُّعرَاء:١٢٨ - ١٣٠] فَتَخَيَّرَ النَّاصِرُ لخطَابَةِ الزَّهْرَاءِ أَحْمَدَ بنَ مطرِّفٍ إِذَا حَضَرَ النَّاصِرُ.
(١) الممطرة والممطر: ثوب من صوف يلبس في المطر يتوقى به من المطر، وعبارة " نفح الطيب ": احمل المطر.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.