وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا مِثَالُهُ: عَطَفَ الْإِصْلَاحَ عَلَى التَّوْبَةِ ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْعَمَلِ لَا شَأْنَ لَهَا وَلَا قِيمَةَ فِي نَظَرِ الدِّينِ، وَلِذَلِكَ جَرَى الْقُرْآنُ عَلَى عَطْفِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا أَوْ وَصْفِهَا بِالنَّصُوحِ، وَتَرَى كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُظْهِرُونَ التَّوْبَةَ بِالنَّدَمِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الذَّنْبِ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُونَ أَنْ يَعُودُوا إِلَى مَا كَانُوا تَابُوا عَنْهُ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّوْبَةِ أَثَرٌ فِي نُفُوسِهِمْ يُنَبِّهُهُمْ إِذَا غَفَلُوا كَيْ لَا يَعُودُوا إِلَى مَا اقْتَرَفُوا، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى اتِّخَاذِ الْوَسَائِلِ لِإِصْلَاحِ شَأْنِهِمْ وَتَقْوِيمِ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ - تَعَالَى - مَا هُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ لِلتَّائِبِينَ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُقَاوَمَةِ الْحَقِّ وَإِيذَاءِ الرَّسُولِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِالْكَيْدِ وَالتَّشْكِيكِ وَبِالْحَرْبِ وَالْكِفَاحِ، أَوِ الْكَلَامُ عَلَى عُمُومِهِ لَا يَخْتَصُّ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ، فَازْدِيَادُ الْكُفْرِ عِبَارَةٌ عَمَّا يُنَمِّيهِ وَيُقَوِّيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُقَاوَمُ بِهَا الْإِيمَانُ، فَالْكُفْرُ يَزْدَادُ قُوَّةً وَاسْتِقْرَارًا وَتَمَكُّنًا بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ يُعِدُّونَهُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، إِذْ هُوَ مُخَالِفٌ فِي الظَّاهِرِ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ وَلِمِثْلِ قَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [٤٢: ٢٥] فَقَالَ الْقَاضِي
وَالْقَفَّالُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّهُ - تَعَالَى - لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ مَنْ كَفَرَ وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَهْلُ اللَّعْنَةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ كَفَرَ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ الْأُولَى تَصِيرُ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ وَمَا قَبْلَهَا: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا فَلَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ. اهـ. مِنَ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ بِتَصَرُّفٍ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَلْيَقُ بِالْآيَةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي الْآيَةِ سَوَاءٌ حُمِلَتْ عَلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ أَوْ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ. وَفِي الْكَشَّافِ أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ كِنَايَةٌ عَنْ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.