لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ فَمَعْنَى " مِنَّا " عَلَى طَرِيقَتِنَا، وَمَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَرْفَعُ قَدْرَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ فِي أَنْفُسِهِنَّ، وَعِنْدَ الرِّجَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ كَانَتْ تَهْضِمُ حَقَّ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَتَعُدُّهَا كَالْبَهِيمَةِ الْمُسَخَّرَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّجُلِ وَشَهْوَتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ بَعْضَ الْأَدْيَانِ فَضَّلَتِ الرَّجُلَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ ذَكَرًا وَكَوْنِهَا أُنْثَى، وَبَعْضُ النَّاسِ عَدَّ الْمَرْأَةَ غَيْرَ أَهْلٍ لِلتَّكَالِيفِ الدِّينِيَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا رُوحٌ خَالِدَةٌ - مَنْ عَلِمَ هَذَا قَدَّرَ هَذَا الْإِصْلَاحَ الْإِسْلَامِيَّ لِعَقَائِدِ الْأُمَمِ، وَمُعَامَلَاتِهَا حَقَّ قَدْرِهِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْإِفْرِنْجُ مِنَ السَّبْقِ إِلَى الِاعْتِرَافَاتِ بِكَرَامَةِ الْمَرْأَةِ، وَمُسَاوَاتِهَا لِلرَّجُلِ بَاطِلٌ، بَلِ الْإِسْلَامُ السَّابِقُ. وَأَنَّ شَرَائِعَهُمْ وَتَقَالِيدَهُمُ الدِّينِيَّةَ وَالْمَدَنِيَّةَ لَا تَزَالُ تُمَيِّزُ الرَّجُلَ عَلَى الْمَرْأَةِ. نَعَمْ، إِنَّ لَهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّقْصِيرِ فِي تَعْلِيمِ النِّسَاءِ، وَتَرْبِيَتِهِنَّ، وَجَعْلِهِنَّ عَارِفَاتٍ بِمَا لَهُنَّ، وَمَا عَلَيْهِنَّ، وَنَحْنُ نَعْتَرِفُ بِأَنَّنَا مُقَصِّرُونَ تَارِكُونَ لِهِدَايَةِ دِينِنَا، صِرْنَا حُجَّةً عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَجَانِبِ، وَفِتْنَةً لَهُمْ، وَأَمَّا مَا يَفْضُلُ بِهِ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعَقْلِ، وَمَا يَقُومُونَ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّذِي رُبَّمَا كَانَ سَبَبُهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَحْوَالِ الِاجْتِمَاعِ، وَكَذَا جُعِلَ حَظُّ الرَّجُلِ فِي الْإِرْثِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ نَفَقَتَهَا، وَيُكَلَّفُ مَا لَا تُكَلَّفُهُ، فَلَا دَخْلَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّفَاضُلِ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْكَرَامَةِ وَضِدِّهَا، بَلْ سَوَّى اللهُ - تَعَالَى - بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى فِي الْحُقُوقِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ إِلَّا مَسْأَلَةَ الْقِيَامِ وَالرِّيَاسَةِ، فَجَعَلَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [ص٢٩٩ وَمَا بَعْدَهَا ج ٢ ط الْهَيْئَةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] .
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَمْ يَكْتَفِ بِرَبْطِ الْجَزَاءِ بِالْعَمَلِ حَتَّى بَيَّنَ أَنَّ الْعَمَلَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَا طَلَبُوا مِنْ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ذَكَرَ الْإِخْرَاجَ مِنَ الدِّيَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ بَابِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ، فَالْهِجْرَةُ إِنَّمَا كَانَتْ وَتَكُونُ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ، وَتَسْتَتْبِعُ مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا مِنَ الْإِيذَاءِ وَالْقِتَالِ، وَقُرِئَ (وَقُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلِ الْقَتْلَ بَلْ وَالتَّقْتِيلَ فِي سَبِيلِ اللهِ - تَعَالَى - وَيَبْذُلْ مُهْجَتَهُ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَلَا يَطْمَعَنَّ بِهَذِهِ الْمَثُوبَةِ الْمُؤَكَّدَةِ فِي قَوْلِهِ: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَبِيرَةِ الْوَادِرَةِ فِي صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [٤٩: ١٥] إلخ. وَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [٨: ٢] إلخ، وَقَوْلِهِ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [٢٣: ١، ٢] الْآيَاتِ، وَقَوْلِهِ: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [٢٥: ٦٣] الْآيَاتِ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [٧٠: ١٩] الْآيَاتِ، وَقَوْلِهِ: وَالْعَصْرِ [١٠٣: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ: هَكَذَا يَذْكُرُ اللهُ - تَعَالَى - صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُنَبِّهَنَا إِلَى أَنْ نَرْجِعَ إِلَى أَنْفُسِنَا وَنَمْتَحِنَهَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.