أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ مُذْ قُتِلُوا، وَلَا تَخْصِيصَ فِي قَوْلِهِمْ لِلشُّهَدَاءِ وَلَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا يَأْتِي، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِحُسْنِ الذِّكْرِ وَطَيِّبِ الثَّنَاءِ كَمَا يُقَالُ " مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ مَا مَاتَ " وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَرْءَ يَحْيَا بِنَسْلِهِ ... وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَسْلُ
فَقُلْتُ لَهُمْ: نَسْلِي بَدَائِعُ حِكْمَتِي ... فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسْلٌ فَإِنَّا بِهَا نَسْلُو
وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِأَجْسَادِهِمْ كَحَيَاتِنَا الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ فِي قُبُورِهِمْ كَسَائِرِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ أَجْسَادَهُمْ تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا حَيَاةٌ جَسَدِيَّةٌ مَا نَصُّهُ: " وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ - تَعَالَى - يُصَعِّدُ أَجْسَادَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَإِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَيُوَصِّلُ أَنْوَاعَ السَّعَادَةِ وَالْكَرَامَاتِ إِلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتْرُكُهَا فِي الْأَرْضِ وَيُحْيِيهَا وَيُوَصِّلُ هَذِهِ السَّعَادَاتِ إِلَيْهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّا نَرَى أَجْسَادَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ قَدْ تَأْكُلُهَا السِّبَاعُ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ يُحْيِيهَا حَالَ كَوْنِهَا فِي بُطُونِ هَذِهِ السِّبَاعِ وَيُوَصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا. أَوْ يُقَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ يُرَكِّبُهَا اللهُ وَيُؤَلِّفُهَا وَيَرُدُّ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا وَيُوَصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ وَلِأَنَّا قَدْ نَرَى الْمَيِّتَ الْمَقْتُولَ بَاقِيًا أَيَّامًا إِلَى أَنْ تَنْفَسِخَ أَعْضَاؤُهُ وَيَنْفَصِلَ مِنْهُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ، فَإِنْ جَوَّزْنَا كَوْنَهَا حَيَّةً مُتَنَعِّمَةً عَاقِلَةً عَارِفَةً لَزِمَ الْقَوْلُ بِالسَّفْسَطَةِ " اهـ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَتَطَرَّفَ جَمَاعَةٌ فَزَعَمُوا أَنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ كَحَيَاتِنَا هَذِهِ فِي الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ أَكْلَنَا وَيَشْرَبُونَ شُرْبَنَا وَيَتَمَتَّعُونَ تَمَتُّعَنَا، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَصْدُرُ عَنْ عَاقِلٍ، لِأَنَّ مِنَ الشُّهَدَاءِ مَنْ يُحْرَقُ بِالنَّارِ وَمَنْ تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ أَوِ الْأَسْمَاكُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَا تَبْلَى وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ، عَلَى أَنَّ الْجَسَدَ لَا ثَمَرَةَ لَهُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الرُّوحُ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ مَجَازِيَّةٌ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا دُنْيَوِيَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا أُخْرَوِيَّةٌ وَلَكِنْ لَهَا مَيْزَةٌ خَاصَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا هُوَ عَدَمُ الْبَحْثِ فِي كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَذَكَرْنَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ بَحْثَ مَا وَرَدَ مِنْ كَوْنِ أَرْوَاحِهِمْ تَكُونُ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ فَرَاجِعْهُ (ج٢ص ٣٢ط. الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ)
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ مَسْرُورِينَ بِمَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِعَمَلِهِمْ، فَالْفَضْلُ مَا كَانَ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، كَمَا قَالَ: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [٣٥: ٣٠] . وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ الِاسْتِبْشَارُ: السُّرُورُ الْحَاصِلُ بِالْبِشَارَةِ، وَأَصْلُ الِاسْتِفْعَالِ طَلَبُ الْفِعْلِ، فَالْمُسْتَبْشِرُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَلَبَ السُّرُورَ فَوَجَدَهُ بِالْبِشَارَةِ كَذَا قَالُوا، وَالْعِبَارَةُ لِلرَّازِيِّ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الطَّلَبِ فِيهِ عَلَى حَالِهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ هُمُ الَّذِينَ بَقُوا فِي الدُّنْيَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.