وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ تَتِمَّةِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ فَقَطْ " اهـ. وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ الْوَجْهَ فِي تَفْسِيرِهَا وَاتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهُ هُوَ مَا جَرَيْنَا عَلَيْهِ آنِفًا.
وَعُلِمَ مِمَّا بَيَّنَّا أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ مَا كَانَ نَاشِئًا عَنِ التَّفَرُّقِ لَا كُلُّ اخْتِلَافٍ وَإِنْ كَانَ فِي وَسَائِلِ تَأْيِيدِ الْمَقْصِدِ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ الَّذِي لَا يَدُومُ مَعَهُ خِلَافٌ، وَإِذَا دَامَ فِي مَسْأَلَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اخْتِلَافٌ فِي الْعَمَلِ، إِذِ الْمُتَّفِقُونَ الْمُخْلِصُونَ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى قَوْلِ مَنْ ظَهَرَ عَلَى لِسَانِهِ الْبُرْهَانُ مِنْهُمْ وَإِلَّا عَمِلُوا بِرَأْيِ الْأَكْثَرِينَ فِيمَا لَا يَظْهَرُ لِلْأَقَلِّينَ بُرْهَانُهُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَلَا نَخُوضُ فِي أَقْوَالِ الْمُئَوِّلِينَ الْمُتَحَكِّكِينَ بِالْأَلْفَاظِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِالتَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ كَحَمْلِ بَعْضِهِمُ التَّفَرُّقَ عَلَى مَا يَكُونُ فِي الْعَقَائِدِ، وَالِاخْتِلَافَ عَلَى مَا يَكُونُ فِي الْأَحْكَامِ، وَادِّعَاءِ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَالْآيَةُ ظَاهِرَةُ الْمَعْنَى. أَقُولُ: وَمِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الرَّازِيُّ أَنَّهُمْ تَفَرَّقُوا بِسَبَبِ التَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِأَنْ حَاوَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ نُصْرَةَ مَذْهَبِهِ. وَهَذَا وَاقِعٌ وَلَكِنَّهُ تَفْسِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَذَاهِبِ وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ وَكُلُّهُ أَثَرٌ لِلتَّفَرُّقِ. وَمِنْهَا أَنَّهُمْ تَفَرَّقُوا بِأَبْدَانِهِمْ بِأَنْ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ الْأَحْبَارِ رَئِيسًا فِي بَلَدٍ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِأَنْ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ صَاحِبَهُ عَلَى الْبَاطِلِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الرَّازِيُّ بَعْدَ إِيرَادِ هَذَا الْقَوْلِ: " وَأَقُولُ إِنَّكَ إِذَا أَنْصَفْتَ عَلِمْتَ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ هَذَا الزَّمَانِ صَارُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَنَسْأَلُ اللهَ الْعَفْوَ وَالرَّحْمَةَ " اهـ.
أَقُولُ: وَتَبِعَ الرَّازِيَّ فِي قَوْلِهِ هَذَا فِي الْعُلَمَاءِ نِظَامُ الدِّينِ الْحَسَنُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (كَعَادَتِهِ) فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ تَفَرُّقِ الْأَحْبَارِ وَاخْتِلَافِهِمْ: " وَلَعَلَّ الْإِنْصَافَ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ الزَّمَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَنَسْأَلُ اللهَ الْعِصْمَةَ وَالسَّدَادَ " اهـ. وَسَبَقَهُمَا حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَّالِيُّ إِلَى بَيَانِ سُوءِ حَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الِاخْتِلَافِ مَا عَدَا الْأَفْرَادَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ التَّقْلِيدَ وَيَقُولُونَ
بِوُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللهِ - وَهُوَ كِتَابُهُ - وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، وَلَكِنْ صَوْتُ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادِ لَا يُسْمَعُ بَيْنَ جَلَبَةِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَا سِيَّمَا أَصْحَابُ الْمَنَاصِبِ وَالْحُظْوَةِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ الَّذِينَ يُدَعِّمُونَ سُلْطَتَهُمْ بِجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَتْبَعُهُمُ الْعَامَّةُ.
وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ الْأَفْرَادَ الَّذِينَ تَنَبَّهُوا فِي الْقُرُونِ الْوُسْطَى إِلَى سُوءِ حَالِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُلَقِّبُهُمُ الْغَزَّالِيُّ بِعُلَمَاءِ السُّوءِ لَمْ يُحَاوِلُوا مُعَالَجَةَ هَذَا الدَّاءِ وَاصْطِلَامِ أَرْوِمَتِهِ، وَهُوَ تَفَرُّقُ الْمَذَاهِبِ وَالتَّعَصُّبُ لَهَا بِالدَّوَاءِ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ تَأْلِيفُ أُمَّةٍ تَدْعُو إِلَى الِاعْتِصَامِ وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، بَلِ اكْتَفَى بَعْضُهُمْ بِالشَّكْوَى مِنْ ذَلِكَ وَإِنْكَارِهِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي يُؤَلِّفُهَا كَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ، أَوْ بِاللِّسَانِ لِبَعْضِ تَلَامِيذِهِ كَمَا نَقَلَ الرَّازِيُّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.