وَالْأَرْضِ. فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَوْ عَذَّبَ الْأَتْقِيَاءَ الصَّالِحِينَ وَأَثَابَ الْفُجَّارَ الْمُفْسِدِينَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ ظُلْمًا بَلْ عَدْلًا ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ - أَوَّلًا: إِنَّ الْآيَتَيْنِ فِي وَادٍ وَهَذِهِ الْمَسَائِلَ الْكَلَامِيَّةَ فِي وَادٍ آخَرَ، وَثَانِيًا: إِنَّ الظُّلْمَ مُحَالٌ عَلَيْهِ - تَعَالَى - لَا لِأَنَّ الظُّلْمَ عِبَارَةٌ عَنْ تَصَرُّفِ الْمُتَصَرِّفِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي مِلْكِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ظُلْمًا فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي الْحِكْمَةَ وَالْكَمَالَ فِي النِّظَامِ وَفِي التَّشْرِيعِ، وَمَنْ حَمَّلَ عَبِيدَهُ أَوْ دَوَابَّهُ مَا لَا تُطِيقُ يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ ظَلَمَهَا، بَلْ قَالُوا فِيمَنْ حَفَرَ الْأَرْضَ وَلَمْ تَكُنْ مَوْضِعًا لِلْحَفْرِ: إِنَّهُ ظَلَمَهَا وَسَمَّوْهَا الْأَرْضَ الْمَظْلُومَةَ وَسَمَّوُا التُّرَابَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَظْلُومُ، وَمَنْ نَقَصَ امْرَأً حَقَّهُ فَقَدْ ظَلَمَهُ قَالَ - تَعَالَى -: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [١٨: ٣٣] وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَى الظُّلْمِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: " الظُّلْمُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ إِمَّا بِنُقْصَانٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ وَإِمَّا بِعُدُولٍ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ مَكَانِهِ " فَالظُّلْمُ الَّذِي يَنْفِيهِ - تَعَالَى - عَنْ نَفْسِهِ فِي الْأَحْكَامِ هُوَ مَا يُنَافِي مَصْلَحَةَ الْعِبَادِ وَهِدَايَتَهُمْ لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي الْخَلْقِ مَا يُنَافِي النِّظَامَ وَالْإِحْكَامَ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ فِي الْآيَاتِ أَنَّهُ جَعَلَ النَّشْرَ فِي آيَةِ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ إِلَخْ. عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ اللَّفِّ إِذْ ذَكَرَ فِي اللَّفِّ الِابْيِضَاضَ قَبْلَ الِاسْوِدَادِ، وَذَكَرَ فِي النَّشْرِ حُكْمَ مَنِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ قَبْلَ حُكْمِ مَنِ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ، وَلَيْسَ اللَّفُّ وَالنَّشْرُ يُسَمُّونَهُ الْمُرَتَّبَ أَبْلَغَ مِمَّا يُسَمُّونَهُ الْمُشَوَّشَ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْكَلَامِ فَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ نُكْتَةَ التَّرْجِيحِ هُنَا جَعْلُ مَطْلَعِ الْكَلَامِ وَمَقْطَعِهِ فِي بَيَانِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَزَائِهِمْ فَوَافَقَ ذَلِكَ اسْتِحْسَانَ الْبُلَغَاءِ جَعْلُهُمَا مِمَّا يَسُرُّ وَيَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَقِيلَ: إِنَّ نُكْتَةَ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخَلْقِ الرَّحْمَةُ دُونَ الْعَذَابِ ; وَلِذَلِكَ بَدَأَ بِذِكْرِ أَهْلِ الرَّحْمَةِ وَخَتَمَ بِذِكْرِ جَزَائِهِمْ وَأَدْمَجَ ذِكْرَ الْآخَرِينَ فِي الْأَثْنَاءِ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ تَرْجِيحٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَالثَّانِي تَرْجِيحٌ
بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا أَنَّهُ - تَعَالَى - ذَكَرَ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ خَالِدُونَ فِيهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ أَهْلَ الْعَذَابِ خَالِدُونَ فِيهِ. نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الرَّازِيُّ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ - تَعَالَى - أَضَافَ الرَّحْمَةَ إِلَى نَفْسِهِ دُونَ الْعَذَابِ، وَذَكَرَ عِلَّةَ الْعَذَابِ وَسَبَبَهُ وَهُوَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ قَالَ: " وَهَذَا جَارٍ مَجْرَى الِاعْتِذَارِ عَنِ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُشْعِرُ بِأَنَّ جَانِبَ الرَّحْمَةِ مُغَلَّبٌ " فَيَا وَيْلَ الْمُتَفَرِّقِينَ الْمُخْتَلِفِينَ الْمُتَعَادِينَ فِي دِينِ الرَّحْمَةِ الَّذِي يَأْخُذُ بِحُجُزِهِمْ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِي الْعَذَابِ وَهُمْ يَتَهَافَتُونَ عَلَيْهِ بِجَهْلِهِمْ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.