تَصِيرَ الْمِائَةُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً، وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُعْدِمٌ مُحْتَاجٌ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ
مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ ; تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ، وَيُدَافِعُ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ، فَيَرْبُو الْمَالُ عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ، وَيَزِيدُ مَالُ الْمُرَابِي مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ مِنْهُ لِأَخِيهِ فَيَأْكُلُ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ وَيَحْصُلُ أَخُوهُ عَلَى غَايَةِ الضَّرَرِ، فَمِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى خَلْقِهِ أَنْ حَرَّمَ الرِّبَا وَلَعَنَ آكِلَهُ وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَآذَنَ مَنْ لَمْ يَدْعُهُ بِحَرْبِهِ وَحَرْبِ رَسُولِهِ، وَلَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ فِي كَبِيرَةٍ غَيْرَهُ ; وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ " اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَ هَذَا كَلِمَةَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الرِّبَا الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا آنِفًا - وَيَعْنِي بِذِكْرِهَا هُنَا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الرِّبَا الَّذِي يُعَدُّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ لَا الرِّبَا الَّذِي حُرِّمَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ كَرِبَا الْفَضْلِ ; فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا كَالْفَرْقِ بَيْنَ الزِّنَا وَالنَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ بِشَهْوَةٍ أَوْ لَمْسِ يَدِهَا كَذَلِكَ أَوِ الْخَلْوَةِ بِهَا وَلَوْ مَعَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً لِذَاتِهَا بَلْ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ، أَيْ لِئَلَّا تَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى الزِّنَا الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ، وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمُحَرَّمِ الشَّدِيدِ ضَرَرُهُ كَالزِّنَا وَأَكْلِ الرِّبَا الْمُضَاعَفِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسِفًا تَائِبًا مِنْ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ - وَهُوَ تَقْبِيلُ امْرَأَةٍ فِي الطَّرِيقِ - وَسَأَلَهُ عَنْ كَفَّارَةِ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ كَفَّارَةٌ لَهُ أَيْ مَعَ التَّوْبَةِ، قَالُوا وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [١١: ١٤٤] وَلَوْ كَانَ زَنَا بِهَا لَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَلَمْ يَرْحَمْهُ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِنَّ مَا وَرَدَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى الرِّبَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ خَطَأٌ ; فَإِنَّ مِنْهَا عِنْدَهُ بَيْعَ قِطْعَةٍ مِنَ الْحُلِيِّ كَسِوَارٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا دَنَانِيرَ، أَوْ بَيْعِ كَيْلٍ مِنَ التَّمْرِ الْجَيِّدِ بِكَيْلٍ وَحَفْنَةٍ مِنَ التَّمْرِ الرَّدِيءِ مَعَ تَرَاضِي الْمُتَبَايِعَيْنِ وَحَاجَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى مَا أَخَذَهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي نَهْيِ الْقُرْآنِ وَلَا فِي وَعِيدِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَةٍ لَا يَشْتَهِيهَا وَلَا تَشْتَهِيهِ كَالزِّنَا فِي حُرْمَتِهِ وَوَعِيدِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ رِبَا الْفَضْلِ ; لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ ذَرِيعَةً لِلرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَسْمِيَتُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى رِبًا، فَقَدْ أَطْلَقَ اسْمَ الرِّبَا عَلَى الْمَعَاصِي الْقَوْلِيَّةِ الَّتِي لَا دَخْلَ لِلْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا كَالْغَيْبَةِ، فَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ.
بِسَنَدٍ قَوِيٍّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الزَّوَاجِرِ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ أَخِيهِ أَيْ غِيبَتُهُ. وَحَدِيثُ أَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَيْضًا أَتَدْرُونَ أَرْبَى الرِّبَا عِنْدَ اللهِ؟ قَالُوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِنْدَ اللهِ اسْتِحْلَالُ عِرْضِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [٣٣: ٥٨] وَفِي مَعْنَاهُمَا أَحَادِيثُ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيِّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.