إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَدْ حَرَّمَ رِبَا النَّسِيئَةِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ تَحْرِيمًا صَرِيحًا وَنَهَى عَنْهُ نَهْيًا مُؤَكَّدًا، وَوَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَحْرِيمُ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ، فَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) النَّظَرُ فِيهَا مِنَ الْجِهَةِ النَّظَرِيَّةِ الْمَعْقُولَةِ فَتَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّانِيَةِ! الْمُحْكَمَةِ فَهُوَ خَيْرٌ وَإِصْلَاحٌ لِلْبَشَرِ وَمُوَافِقٌ لِمَصَالِحِهِمْ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ الْيَوْمَ أَنَّ إِبَاحَةَ الرِّبَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْمَدَنِيَّةِ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ، فَالْأُمَّةُ الَّتِي لَا تَتَعَامَلُ بِالرِّبَا لَا تَرْتَقِي مَدَنِيَّتُهَا وَلَا يُحْفَظُ كِيَانُهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ، إِذْ لَوْ فَرَضْنَا أَنْ تَرَكَتْ جَمِيعُ الْأُمَمِ أَكْلَ الرِّبَا فَصَارَ الْوَاجِدُونَ فِيهَا يُقْرِضُونَ الْعَادِمِينَ قَرْضًا حَسَنًا، وَيَتَصَدَّقُونَ عَلَى الْبَائِسِينَ وَالْمُعْوِزِينَ، وَيَكْتَفُونَ بِالْكَسْبِ مِنْ مَوَارِدِهِ الطَّبِيعِيَّةِ كَالزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالشَّرِكَاتِ وَمِنْهَا الْمُضَارَبَةُ لَمَا زَادَتْ مَدَنِيَّتُهُمْ إِلَّا ارْتِقَاءً بِبِنَائِهَا عَلَى أَسَاسِ الْفَضِيلَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ الَّذِي يُحَبِّبُ الْغَنِيَّ إِلَى الْفَقِيرِ وَلَمَا وُجِدَ فِيهَا الِاشْتِرَاكِيُّونَ الْغَالُونَ، وَالْفَوْضَوِيُّونَ الْمُتَغَالُونَ، وَقَدْ قَامَتْ لِلْعَرَبِ مَدَنِيَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ لَمْ يَكُنِ الرِّبَا مِنْ أَرْكَانِهَا فَكَانَتْ خَيْرَ مَدَنِيَّةٍ فِي زَمَنِهِمْ، فَمَا شَرَعَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ مَنْعِ الرِّبَا عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَدَنِيَّةِ وَالْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ هِدَايَةٍ لِلْبَشَرِ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) النَّظَرُ فِيهَا مِنَ الْجِهَةِ الْعَمَلِيَّةِ بِحَسَبِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ الْآنَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ فَإِنَّنَا نَرَى كَثِيرِينَ يُوَافِقُونَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لِلْإِسْلَامِ دُوَلٌ قَوِيَّةٌ وَأُمَمٌ عَزِيزَةٌ تُقِيمُ الشَّرْعَ وَتَهْتَدِي بِهَدْيِ الْقُرْآنِ لَأَمْكَنَهَا الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الرِّبَا، وَلَكَانَتْ مَدَنِيَّتُهَا بِذَلِكَ أَفْضَلَ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا، لِأَنَّ شَرْعَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبِيحَ الرِّبَا، وَهُوَ دِينٌ غَرَضُهُ تَهْذِيبُ النُّفُوسِ وَإِصْلَاحُ حَالِ الْمُجْتَمَعِ لَا تَوْفِيرُ ثَرْوَةِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرَةِ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ لَيْسَ فِيهِ أُمَمٌ إِسْلَامِيَّةٌ ذَاتُ دُوَلٍ قَوِيَّةٍ تُقِيمُ الْإِسْلَامَ وَتَسْتَغْنِي عَمَّنْ يُخَالِفُهَا فِي أَحْكَامِهَا، وَإِنَّمَا زِمَامُ الْعَالَمِ فِي أَيْدِي أُمَمٍ مَادِّيَّةٍ قَدْ قَبَضَتْ عَلَى أَزِمَّةِ الثَّرْوَةِ فِي الْعَالَمِ حَتَّى صَارَ سَائِرُ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ عِيَالًا عَلَيْهَا. فَمَنْ جَارَاهَا مِنْهُمْ فِي طُرُقِ كَسْبِهَا - وَالرِّبَا مِنْ أَرْكَانِهِ - فَهُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَحْفَظَ وُجُودَهُ مَعَهَا. وَمَنْ لَمْ يُجَارِهَا فِي ذَلِكَ انْتَهَى أَمْرُهُ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَعْبَدًا لَهَا، فَهَلْ يُبِيحُ الْإِسْلَامُ لِشَعْبٍ مُسْلِمٍ - هَذِهِ حَالُهُ مَعَ الْأُورُوبِّيِّينَ كَالشَّعْبِ الْمِصْرِيِّ - أَنْ يَتَعَامَلَ بِالرِّبَا لِيَحْفَظَ ثَرْوَتَهُ وَيُنَمِّيَهَا فَيَكُونُ أَهْلًا لِلِاسْتِقْلَالِ أَمْ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَالْحَالَةُ حَالَةُ ضَرُورَةٍ - وَيُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى بِاسْتِنْزَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِثَرْوَتِهِ وَهِيَ مَادَّةُ حَيَاتِهِ؟
هَذَا مَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ مُسْلِمِي مِصْرَ الْآنَ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ - بَعْدَ تَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُوَافِقُ مَصَالِحَ الْآخِذِينَ بِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ - مِنْ وَجْهَيْنِ يُوَجَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى فَرِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.