يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ دَعْوَى قَوْلِيَّةً وَلَا صُورَةً فِي الذِّهْنِ خَيَالِيَّةً بَلْ كَانَ حَقِيقَةً وَاقِعَةً فِي النَّفْسِ وَلَكِنَّهَا زَالَتْ عِنْدَ مَجِيءِ دَوْرِ الْفِعْلِ، وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ النَّفْسِ فِي شُعُورِهَا وَعِرْفَانِهَا هِيَ دُونَ مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ الَّذِي يُصَدِّقُهُ الْعَمَلُ، وَفَوْقَ مَرْتَبَةِ التَّصَوُّرِ وَالتَّخَيُّلِ مَعَ الِانْصِرَافِ عَنْ تَمَنِّي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ أَوْ مَعَ كَرَاهَتِهِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ - كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يُحِبُّ مِلَّتَهُ وَوَطَنَهُ وَلَكِنَّهُ يَهْرُبُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ يَخْشَى أَنْ يُطَالَبَ فِيهِ بِعَمَلٍ يَأْتِيهِ لِأَجْلِهِمَا أَوْ مَالٍ يُعَاوِنُ بِهِ الْعَامِلِينَ لَهُمَا، أَوْ يَكُونُ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنَ الْفِكْرِ فِي الْعَمَلِ أَوِ الْبَذْلِ لِإِعْلَاءِ شَأْنِ هَذَا الْمَحْبُوبِ أَوْ كَفِّ الْعُدْوَانِ أَوِ الشَّرِّ عَنْهُ. فَهَاتَانِ مَرْتَبَتَانِ دُونَ مَرْتَبَةِ مَنْ يَتَصَوَّرُ أَنَّهُ يُحِبُّ مِلَّتَهُ وَوَطَنَهُ وَيُفَكِّرُ فِي خِدْمَتِهِمَا وَيَتَمَنَّى لَوْ يُتَاحُ لَهُ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا احْتِيجَ إِلَى خِدْمَتِهِ الَّتِي كَانَ يُفَكِّرُ فِيهَا وَيَتَمَنَّاهَا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ الضَّعْفَ فَأَعْرَضَ عَنِ الْعَمَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ بَعْدَ أَنْ ذَاقَ مَرَارَتَهُ وَكَابَدَ مَشَقَّتَهُ، وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ فِي الْإِيمَانِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، الْمَطْلُوبُ فِيهِ مَرْتَبَةُ الْيَقِينِ وَالْإِذْعَانِ النَّفْسِيِّ الَّتِي مِنْ مُقْتَضَاهَا الْعَمَلُ مَهْمَا كَانَ شَاقًّا، وَالْجِهَادُ مَهْمَا كَانَ عَسِرًا، وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَكَارِهِ وَإِيثَارُ
الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ: وَلِيَعْلَمَ اللهُ وَتَفْسِيرِ: وَلِيُمَحِّصَ اللهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ أَمْثِلَةٌ تَزِيدُ الْمَبْحَثَ وُضُوحًا.
وَقَدْ كَانَ فِي مَجْمُوعِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ عِنْدَ نُزُولِهَا مَنْ هُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُجَاهِدُونَ الصَّابِرُونَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَاتَ الْجِبَالِ لَا ثَبَاتَ الْأَبْطَالِ، وَهُمْ نَحْوُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسْمَاءَ بَعْضِهِمْ فِي تَلْخِيصِ الْقِصَّةِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْخِطَابُ عَامًّا لِيَكُونَ تَرْبِيَةً عَامَّةً ; فَإِنَّ أَصْحَابَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ يَتَّهِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالتَّقْصِيرِ فَيَزْدَادُونَ كَمَالًا.
فَهَذِهِ الْآيَةُ تُنَبِّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ إِلَى الْغُرُورِ بِحَدِيثِ النَّفْسِ وَالتَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي، وَتَهْدِيهِ إِلَى امْتِحَانِ نَفْسِهِ بِالْعَمَلِ الشَّاقِّ، وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِمَا دُونَ الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَكَارِهِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ، حَتَّى يَأْمَنَ الدَّعْوَى الْخَادِعَةَ، بَلْهَ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةَ، وَإِنَّمَا الْخَادِعَةُ أَنْ تَدَّعِيَ مَا تَتَوَهَّمُ أَنَّكَ صَادِقٌ فِيهِ مَعَ الْغَفْلَةِ أَوِ الْجَهْلِ بِعَجْزِكَ عَنْهُ، وَالْبَاطِلَةُ لَا تَخْفَى عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا تَظُنُّ أَنَّهَا تَخْفَى عَلَى سِوَاكَ.
قَدْ أَشَرْنَا إِلَى أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ هُوَ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَوْتِ الْحَرْبُ لِأَنَّهَا سَبَبُهُ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ تَمَنِّيَ الشَّهَادَةِ الْمَأْثُورِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُشْكِلًا ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ انْتِصَارَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَا إِشْكَالَ إِلَّا فِي مُخِّ مَنِ اخْتَرَعَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَمَنَّى الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يُلْقِي بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَلَا يُقَصِّرُ فِي الدِّفَاعِ وَالصِّدَامِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ مَكَّنَ الْأَعْدَاءَ مِنْهُ وَمَهَّدَ لَهُمْ سَبِيلَ الظَّفَرِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَقْوَى جِهَادًا وَأَشَدَّ جِلَادًا وَأَجْدَرَ بِأَنْ يَنْصُرَ قَوْمَهُ وَيَخْذُلَ مَنْ يُحَارِبُهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.