ثُمَّ جَعْلُ السَّفَهِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ السُّفَهَاءِ هُنَا، وَمَثَّلَ لِلسَّفَهِ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا [٧٢: ٤] . فَالسُّفَهَاءُ هُنَا هُمُ الْمُبَذِّرُونَ أَمْوَالَهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَهَا فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَيُسِيئُونَ التَّصَرُّفَ بِإِنْمَائِهَا وَتَثْمِيرِهَا - قِيَامًا تَقُومُ بِهَا أُمُورُ مَعَايِشِكُمْ فَتَحُولُ دُونَ وُقُوعِكُمْ فِي الْفَقْرِ، وَقَرَأَهَا نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ (قِيَمًا) ، وَهُوَ بِمَعْنَى قِيَامًا كَمَا يَأْتِي. قَالَ الرَّاغِبُ الْقِيَامَ وَالْقِوَامُ: اسْمٌ لِمَا يَقُومُ بِهِ الشَّيْءُ، أَيْ يَثْبُتُ، كَالْعِمَادِ، وَالسِّنَادِ لِمَا يَعْمِدُ بِهِ، وَذَكَرَ الْآيَةَ. وَفُسِّرَتْ فِي الْكَشَّافِ بِقَوْلِهِ: أَيْ تَقُومُونَ بِهَا، وَتَتَعَيَّشُونَ، وَلَوْ ضَيَّعْتُمُوهَا لَضِعْتُمْ قَالَ: وَقُرِئَ (قِيَمًا) بِمَعْنَى قِيَامًا كَمَا جَاءَ عِوَذًا بِمَعْنَى عِيَاذًا - وَارْزُقُوهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، وَهُوَ الْعَطَاءُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّصِيبِ مِنَ الشَّيْءِ، وَقَدْ يُخَصُّ بِالطَّعَامِ، قِيلَ: وَهُوَ الظَّاهِرُ هُنَا لِمُقَابَلَتِهِ بِالْكِسْوَةِ. كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْمُرْضِعَاتِ:
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [٢: ٢٣٣] وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ أَعَمُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَوْلُهُ: آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا مَعْنَاهُ أَبْصَرْتُمْ مِنْهُمْ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الرُّشْدِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ، وَحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيهَا إِبْصَارَ إِينَاسٍ، وَهُوَ الِاسْتِيضَاحُ، وَاسْتَعْبَرَ لِلتَّبْيِينِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الرُّشْدَ الصَّلَاحُ فِي الْعَقْلِ وَالْحِفْظُ لِلْمَالِ إِسْرَافًا وَبِدَارًا مَصْدَرَانِ لِـ أَسْرَفَ وَبَادَرَ، فَالْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ عَمَلٍ، وَغَلَبَ فِي الْأَمْوَالِ، وَيُقَابِلُهُ الْقَتْرُ، وَهُوَ النَّقْصُ فِي النَّفَقَةِ عَمَّا يَنْبَغِي، قَالَ - تَعَالَى -: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [٢٠: ٦٧] يُقَالُ: قَتَرَ - يَقْتُرُ بِوَزْنِ نَصَرَ يَنْصُرُ، وَقَتَّرَ يُقَتِّرُ - بِالتَّشْدِيدِ - وَالْقَوَامُ كَالْقِيَامِ: هُوَ الْقَصْدُ بَيْنَهُمَا الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْمَعِيشَةُ وَتَثْبُتُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْبِدَارُ: الْمُبَادَرَةُ أَيِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى الشَّيْءِ، يُقَالُ: بَادَرْتُ إِلَى الشَّيْءِ وَبَدَرْتُ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكْبَرُوا فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، أَيْ كِبَرُهُمْ فِي السِّنِّ، يُقَالُ: كَبِرَ يَكْبَرُ - بِوَزْنِ عَلِمَ يَعْلَمُ، إِذَا كَبِرَتْ سِنُّهُ، وَأَمَّا كَبُرَ يَكْبُرُ - بِضَمِّ الْبَاءِ - فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ، فَهُوَ كَعَظُمَ يَعْظُمُ حِسًّا، أَوْ مَعْنًى فَلْيَسْتَعْفِفْ فَلْيَعِفَّ مُبَالِغًا فِي الْعِفَّةِ، أَوْ فَلْيُطَالِبْ نَفْسَهُ بِالْعِفَّةِ وَيَحْمِلْهَا عَلَيْهَا، وَهِيَ تَرْكُ مَا لَا يَنْبَغِي مِنَ الشَّهَوَاتِ، أَوْ مَلَكَةٍ فِي النَّفْسِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَطَلَبُهَا يَكُونُ بِالتَّعَفُّفِ وَهُوَ تَكَلُّفُ الْعِفَّةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، حَتَّى تَسْتَحْكِمَ الْمَلَكَةُ فِي النَّفْسِ بِالتَّكْرَارِ، وَالْمُمَارَسَةِ كَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ، وَالْمَلَكَاتِ الْمُكْتَسَبَةِ بِالتَّرْبِيَةِ.
الْمَعْنَى: اخْتَلَفَ مُفَسِّرُو السَّلَفِ فِي الْمُرَادِ بِالسُّفَهَاءِ هُنَا. فَقِيلَ: هُمُ الْيَتَامَى، وَالنِّسَاءُ. وَقِيلَ: النِّسَاءُ خَاصَّةً. وَقِيلَ: الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ لِلْمُخَاطَبِينَ. وَقِيلَ: هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ سَفِيهٍ مِنْ صَغِيرٍ، وَكَبِيرٍ، وَذَكَرٍ، وَأُنْثَى، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَجَعَلَ الْخِطَابَ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ لِيَشْمَلَ النَّهْيُ كُلَّ مَالٍ يُعْطَى لِأَيِّ سَفِيهٍ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ - رَاجِعْ تَفْسِيرَ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ [٢: ١٨٨]- ص١٥٧ ج ٢ [ط الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَمَرَنَا اللهُ - تَعَالَى - فِي الْآيَاتِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.