وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الطَّاعَةَ تَصْدُقُ بِامْتِثَالِ أَمْرٍ وَاحِدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَا يُبْنَى عَلَيْهِ مِنَ الْجَوَابِ هُوَ مِمَّا اعْتَادُوهُ مِنَ اخْتِرَاعِ الْإِيرَادَاتِ وَالْأَجْوِبَةِ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ يَأْبَاهَا، فَهَذِهِ الطَّاعَةُ هِيَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا إِيثَارُ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى حُكْمِ الطَّاغُوتِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَهِيَ الَّتِي عَلِمْنَا بِهَا أَنَّ الْعَمَلَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ أَوْ شَرْطٌ لَهُ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِذْعَانِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ حَرَجٌ مِنْهُ وَيُسَلِّمُ لَهُ تَسْلِيمًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ امْتِثَالُ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَلَوْ فِي تَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الدِّيَارِ وَالْأَوْطَانِ.
ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَوْصَافٌ مُتَدَاخِلَةٌ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ، فَالْمُؤْمِنُونَ الْكَامِلُونَ فَرِيقَانِ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ الثَّلَاثِ، وَهَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعَطْفِ عَلَى مَا فِي صِفَاتِهِمْ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِمْ، وَهَاكَ مَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ وَلَا جِنَايَةَ عَلَى اللُّغَةِ.
(الصِّدِّيقُونَ) جَمْعُ صِدِّيقٍ، وَهُوَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الصِّدْقُ وَعُرِفَ بِهِ كَالسِّكِّيرِ لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ السُّكْرُ، قَالَ الرَّاغِبُ: الصِّدِّيقُ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الصِّدْقُ، وَقِيلَ: بَلْ يُقَالُ لِمَنْ لَا يَكْذِبُ قَطُّ، وَقِيلَ: لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْكَذِبُ لِتَعَوُّدِهِ الصِّدْقَ، وَقِيلَ: بَلْ لِمَنْ صَدَقَ بِقَوْلِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَحَقَّقَ صِدْقَهُ بِقَوْلِهِ.
قَالَ: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (١٩: ٤١) ، وَقَالَ: أَيْ فِي الْمَسِيحِ: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (٥: ٧٥) ، وَقَالَ: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَالصِّدِّيقُونَ هُمْ قَوْمٌ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْفَضِيلَةِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الذَّرِيعَةِ إِلَى مَكَارِمِ الشَّرِيعَةِ.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الصِّدِّيقُونَ: هُمُ الَّذِينَ زَكَتْ فِطْرَتُهُمْ، وَاعْتَدَلَتْ أَمْزِجَتُهُمْ، وَصَفَتْ سَرَائِرُهُمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ بِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ لَهُمْ، فَهُمْ يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَيُبَالِغُونَ فِي صِدْقِ اللِّسَانِ وَالْعَمَلِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ مَا بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَرَفَ أَنَّهَا الْحَقُّ وَقَبِلَهَا وَصَدَّقَ بِهَا فَصَدَّقَ النَّبِيَّ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ أَكْمَلَ الصِّدْقَ، وَيَلِيهِ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، فَإِنَّهُمُ انْقَادُوا إِلَى الْإِسْلَامِ بِسُهُولَةٍ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ الْآيَاتُ وَثَمَرَاتُ الْإِيمَانِ تَمَامَ الظُّهُورِ كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ـ وَعَدَّ آخَرِينَ مِنَ السَّابِقِينَ ـ وَدَرَجَةُ هَؤُلَاءِ قَرِيبَةٌ مِنْ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ، بَلِ الْأَنْبِيَاءُ صِدِّيقُونَ وَزِيَادَةٌ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.