أَوْ هُوَ مِنْ مَرَدَ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا مُرِّنَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ يَأْتِيهِ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ (٩: ١٠١) ، أَيْ: شَيْطَانًا مَرَدَ عَلَى الْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ،
أَوْ تَمَرَّدَ وَاسْتَكْبَرَ عَنِ الطَّاعَةِ، ثُمَّ وَصَفَهُ وَصْفًا آخَرَ فَقَالَ: لَعَنَهُ اللهُ، وَاللَّعْنُ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ مَعَ السُّخْطِ وَالْإِهَانَةِ وَالْخِزْيِ، أَيْ: أَبْعَدَهُ اللهُ عَنْ مَوَاقِعَ فَضْلِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَمُوجِبَاتِ رَحْمَتِهِ، أَيْ: أَنَّهُمْ مَا يَدْعُونَ إِلَّا ذَلِكَ الشَّيْطَانَ الْمَرِيدَ الْمَلْعُونَ الَّذِي هُوَ دَاعِيَةُ الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ بِمَا يُوَسْوِسُ فِي صَدْرِهِ وَيَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا إِلَخْ، النَّصِيبُ: الْحِصَّةُ وَالسَّهْمُ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُوَ لَيْسَ نَصًّا فِي قِلَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ الْقِلَّةُ، وَالْمَفْرُوضُ: الْمُعَيَّنُ وَأَصْلُهُ مِنَ الْفَرْضِ وَالْحَزِّ فِي الْخَشَبَةِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي أَوَائِلِ السُّورَةِ، وَمِنْهُ الْفَرْضُ فِي الْعَطَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّصِيبُ طَائِفَةَ الَّذِينَ يُضِلُّهُمْ وَيُغْوِيهِمْ وَيُزَيِّنُ لَهُمُ الشِّرْكَ وَالْمَعَاصِيَ، وَأَنْ يَكُونَ حَظُّهُ مِنْ نَفْسِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ، وَهُوَ الِاسْتِعْدَادُ الْفِطْرِيُّ لِلْبَاطِلِ وَالشَّرِّ الْمُقَابِلِ لِلِاسْتِعْدَادِ الْفِطْرِيِّ لِلْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: النَّصِيبُ الْمَفْرُوضُ هُوَ مَا لِلشَّيْطَانِ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلشَّرِّ الَّذِي هُوَ أَحَدُ النَّجْدَيْنِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (٩٠: ١٠) ، فَهَذَا هُوَ عَوْنُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي النَّاسِ حَتَّى الْمَعْصُومِينَ، وَلَكِنْ أَخْبَرَنَا اللهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى عِبَادِهِ الْمُخْلَصِينَ، فَإِذَا هُوَ زَيَّنَ لَهُمْ شَيْئًا لَا يَغْلِبُهُمْ عَلَى عَمَلِهِ، فَمَا مِنْ إِنْسَانٍ إِلَّا وَيَشْعُرُ مِنْ نَفْسِهِ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالشِّرْكِ فَبِالْمَعْصِيَةِ وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَوِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَةِ اهـ، أَقُولُ: وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ - تَعَالَى - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ التَّفْسِيرِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَأَمْثَالُهُ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ فِي مُخَاطَبَةِ إِبْلِيسَ مَعَ الْبَارِئِ - جَلَّ وَعَلَا - هُوَ مِنَ الْأَقْوَالِ التَّكْوِينِيَّةِ أَيِ الَّتِي يُعَبِّرُ بِهَا عَنْ تَكْوِينِ الْعَالِمِ وَمَا خَلَقَهُ اللهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَّانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (٤١: ١١) ، فَقَوْلُهُ - تَعَالَى - هَذَا لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَوْلٌ تَكْوِينِيٌّ لَا تَكْلِيفِيٌّ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ (٣٦: ٨٢) ، وَقَوْلُهُمَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، تَكْوِينِيٌّ أَيْضًا فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمَا وُجِدَتَا كَمَا أَرَادَ اللهُ - تَعَالَى - أَنْ تُوجَدَا عَلَيْهِ، كَمَا يُجِيبُ الْعَبْدُ الْعَاقِلُ نِدَاءَ
مَوْلَاهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ هَكَذَا فَدُعَاؤُهُ دُعَاءُ مُتَمَرِّدٍ عَلَى الْحَقِّ بَعِيدٍ عَنِ الْخَيْرِ، مُغْرَى بِإِغْوَاءِ الْبَشَرِ وَإِضْلَالِهِمْ كَمَا عَبَّرَ عَنْ طَبْعِهِ وَسَجِيَّتِهِ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أَيْ: لِأَتَّخِذَنَّ مِنْهُمْ نَصِيبًا وَلِأُضِلَّنَّهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَلَأَشْغَلَنَّهُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.