عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ بِحُذَيْفَةَ فَلَقَّاهَا إِيَّاهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ نَظَرَ عُمَرُ فِي الْكَلَالَةِ فَدَعَا حُذَيْفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ لَقَّانِيهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَقَّيْتُكَ كَمَا لَقَّانِي، وَاللهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَبَدًا.
أَقُولُ: وَيُفَسِّرُ قَوْلَهُ " فَلَقَّيْتُكَ كَمَا لَقَّانِي " مَا رَوَاهُ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: نَزَلَتْ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسِيرٍ لَهُ وَإِلَى جَنْبِهِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، فَبَلَّغَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُذَيْفَةَ، وَبَلَّغَهَا حُذَيْفَةُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَسِيرُ خَلْفَهُ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ سَأَلَ عَنْهَا حُذَيْفَةَ، وَرَجَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ تَفْسِيرُهَا، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: وَاللهِ إِنَّكَ لَعَاجِزٌ إِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ إِمَارَتَكَ تَحْمِلُنِي عَلَى أَنْ أُحَدِّثَكَ مَا لَمْ أُحَدِّثْكَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ عُمَرُ: لَمْ أُرِدْ هَذَا، رَحِمَكَ اللهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنَ التَّفْسِيرِ (ص ٢٤٥ - ٣٤٨ مِنْ مَطْبُوعِ الْهَيْئَةِ) مَعْنَى الْكَلَالَةِ، وَاشْتِبَاهَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِيهَا، وَسُؤَالَهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا بِنَفْسِهِ، وَبِوَاسِطَةِ بِنْتِهِ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤَالِهِ عَنِ الْكَلَالَةِ فَلَمْ يَفْهَمْهَا، فَكَلَّفَ حَفْصَةَ أَنْ تَسْأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا عِنْدَ مَا تَرَاهُ طَيِّبَةً نَفْسُهُ، وَرَوَى مَالِكٌ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ جَرِيرٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: " مَا سَأَلْتُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ أَكْثَرَ مَا سَأَلْتُهُ عَنِ الْكَلَالَةِ حَتَّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: " تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ " وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: " تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ " وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مِثْلَهُ، وَزَادَ: " فَمَنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا فَوَرَثَتْهُ كَلَالَةٌ " وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مَوْصُولًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَنْزَلَ اللهُ فِي الْكَلَالَةِ آيَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ، وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَفِيهَا إِجْمَالٌ وَإِبْهَامٌ، لَا يَكَادُ يَتَبَيَّنُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ ظَاهِرِهَا، ثُمَّ أَنْزَلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ، وَهِيَ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَفِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْبَيَانِ مَا لَيْسَ فِي آيَةِ الشِّتَاءِ، فَأَحَالَ السَّائِلَ عَلَيْهَا ; لِيَتَبَيَّنَ الْمُرَادَ بِالْكَلَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا. اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ بَعْدَ بَيَانِ إِرْثِ الْوَالِدَيْنِ ; لِأَنَّهُمْ يَحُلُّونَ مَحَلَّهَا عِنْدَ فَقْدِهَا، فَيَأْخُذُونَ مَا كَانَتْ تَأْخُذُهُ، ثُمَّ عَرَضَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِ حُكْمِ إِخْوَةِ الْعَصَبِ عِنْدَ مَرَضِ جَابِرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَمَا وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي السَّفَرِ غَلَطٌ، سَبَبُهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ لَمَّا تَلَقَّاهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَنَّ
أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهَا مِنْ قَبْلُ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَظُنُّ الصَّحَابِيُّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.