فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣٩: ٢، ٣) ، فَالْمُنَافِقُونَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ الْهَاوِيَةِ إِلَّا مَنِ اسْتُثْنِيَ.
فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ لِتِلْكَ الْأَعْمَالِ عَامِلُونَ، يَكُونُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ، يُؤْمِنُونَ إِيمَانَهُمْ وَيَعْمَلُونَ عَمَلَهُمْ، ثُمَّ يُجْزَوْنَ جَزَاءَهُمْ، وَهُوَ مَا عَظَّمَ اللهُ تَعَالَى شَأْنَهُ بِقَوْلِهِ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، أَيْ: سَوْفَ يُعْطِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ أَجْرًا لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ كُنْهَهُ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٢: ١٧) .
مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ، اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ بَيَّنَ اللهُ لَنَا بِهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِنْ عِبَادِهِ تَشَفِّيًا مِنْهُ وَلَا انْتِقَامًا بِالْمَعْنَى الَّذِي يَفْهَمُهُ النَّاسُ مِنَ الِانْتِقَامِ بِحَسَبِ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ جَزَاءُ كُفْرِهِمْ بِنِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ وَالْوِجْدَانِ وَالْجَوَارِحِ، بِاسْتِعْمَالِهَا فِي غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ بِهَا إِلَى تَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ بِالْعُلُومِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ، وَكُفْرِهِمْ بِاللهِ تَعَالَى بِاتِّخَاذِ شُرَكَاءَ لَهُ، وَإِنْ سَمَّاهُمْ بَعْضُهُمْ وُسَطَاءَ وَشُفَعَاءَ، فَبِكُفْرِهِمْ بِاللهِ
تَعَالَى وَبِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ تَفْسُدُ فِطْرَتُهُمْ، وَتَتَدَنَّسُ أَرْوَاحُهُمْ فَتَهْبِطُ بِهِمْ فِي دَرَكَاتِ الْهَاوِيَةِ وَيَكُونُونَ هُمُ الْجَانِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ شَكَرُوا وَآمَنُوا فَطَهُرَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ، وَظَهَرَتْ آثَارُ عُقُولِهِمْ وَسَائِرُ قُوَاهُمْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُصْلِحَةِ لِمَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، لَعَرَجَتْ بِهِمْ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْقُدْسِيَّةُ إِلَى الْمَقَامِ الْكَرِيمِ، وَالرِّضْوَانِ الْكَبِيرِ فِي دَارِ النَّعِيمِ، وَقَدَّمَ الشُّكْرَ هُنَا عَلَى الْإِيمَانِ ; لِأَنَّ مَعْرِفَةَ النِّعَمِ وَالشُّكْرَ عَلَيْهَا طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ وَالْإِيمَانِ بِهِ.
وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا، يُثِيبُ الْمُؤْمِنِينَ الشَّاكِرِينَ الْمُصْلِحِينَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ بِحَالِهِمْ، لَا أَنَّهُ يُعَذِّبُهُمْ، بَلْ يُعْطِيهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَ عَلَى شُكْرِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (١٤: ٧) سَمَّى ثَبَاتَهُمْ عَلَى الشُّكْرِ شُكْرًا، وَهُمْ إِنَّمَا يُحْسِنُونَ بِشُكْرِهِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَعَنْ شُكْرِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، وَلَكِنْ قَضَتْ حِكْمَتُهُ، وَمَضَتْ سُنَّتُهُ، بِأَنْ يَكُونَ لِلْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَثَرٌ صَالِحٌ فِي النَّفْسِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ الْحَسَنُ وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، فَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الشَّاكِرِينَ.
وَأَنْ يَشْكُرَ لَنَا ذَلِكَ فِي الدَّارَيْنِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.