فِيمَا مَرَّ. وَيَسْتَنِدُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَحَادِيثِ آحَادٍ تَفَرَّدُوا بِرِوَايَتِهَا مَعَ أَنَّ عُمُومَ الْآيَاتِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالِاحْتِجَاجُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِخَبَرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مُجَابٌ عَنْهُ بِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا رَدَّ خَبَرَ ابْنَةِ قَيْسٍ لِتَرَدُّدِهِ فِي صِدْقِهَا، وَكَذِبِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ: بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصْدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ. فَعَلَّلَ الرَّدَّ بِالتَّرَدُّدِ فِي
صِدْقِهَا وَكَذِبِهَا لَا بِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ. وَكَوْنُ التَّخْصِيصِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُ الْقَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ مَرْدُودٌ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَقَعَ فِي الدَّلَالَةِ ; لِأَنَّهُ دَفْعٌ لِلدَّلَالَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَارِدِ، فَلَمْ يَلْزَمْ تَرْكُ الْقَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ بَلْ هُوَ تَرْكٌ لِلظَّنِّيِّ بِالظَّنِّيِّ.
" وَمَا زَعَمُوهُ مِنْ دَلَالَةِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوهُمَا عَلَى كَذِبِ الْخَبَرِ فِي غَايَةِ الْوَهْنِ ; لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ فِيهِمَا وِرَاثَةُ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ، وَالْكَمَالَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ لَا وِرَاثَةَ الْعُرُوضِ وَالْأَمْوَالِ.
" وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِرَاثَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا كَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْكِلِينِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَنَّ سُلَيْمَانَ وَرِثَ دَاوُدَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا وَرِثَ سُلَيْمَانَ ; فَإِنَّ وِرَاثَةَ الْمَالِ بَيْنَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ بِوَجْهٍ. وَأَيْضًا إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّأْرِيخِ - كَانَ لَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا، وَكُلُّهُمْ كَانُوا وَرَثَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي يَزْعُمُهُ الْخَصْمُ. فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَ بَعْضٍ فِي وِرَاثَةِ الْمَالِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهَا بِخِلَافِ وِرَاثَةِ الْعِلْمِ، وَالنُّبُوَّةِ.
وَأَيْضًا تَوْصِيفُ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِتِلْكَ الْوِرَاثَةِ مِمَّا لَا يُوجِبُ كَمَالًا، وَلَا يَسْتَدْعِي امْتِيَازًا ; لِأَنَّ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ يَرِثُ أَبَاهُ، فَأَيُّ دَاعٍ لِذِكْرِ هَذِهِ الْوِرَاثَةِ فِي بَيَانِ فَضَائِلِ هَذَا النَّبِيِّ وَمَنَاقِبهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -! ؟ " وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِرَاثَةَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ أَيْضًا، أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْوِرَاثَةِ فِيهَا وِرَاثَةَ الْمَالِ كَانَ الْكَلَامُ أَشْبَهَ شَيْءٍ بِالسَّفْسَطَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِآلِ يَعْقُوبَ حِينَئِذٍ إِنْ كَانَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ يَلْزَمُ أَنَّ مَالَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ بَاقِيًا غَيْرَ مَقْسُومٍ إِلَى عَهْدِ زَكَرِيَّا، وَبَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَهُوَ كَمَا تَرَى! ! وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ جَمِيعَ أَوْلَادِهِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ يَحْيَى وَارِثًا جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَهَذَا أَفْحَشُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بَعْضَ الْأَوْلَادِ، أَوْ أُرِيدَ مِنْ يَعْقُوبَ غَيْرُ الْمُتَبَادِرِ وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، يُقَالُ: أَيُّ فَائِدَةٍ فِي وَصْفِ هَذَا الْوَلِيِّ عِنْدَ طَلَبِهِ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَرِثُ أَبَاهُ، وَيَرِثُ بَعْضَ ذَوِي قَرَابَتِهِ؟ وَالِابْنُ وَارِثُ الْأَبِ وَمَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْوِرَاثَةَ تُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْوَلِيِّ بِلَا تَكَلُّفٍ وَلَيْسَ الْمَقَامُ مَقَامَ تَأْكِيدٍ.
وَأَيْضًا لَيْسَ فِي الْأَنْظَارِ الْعَالِيَةِ، وَهِمَمِ النُّفُوسِ الْقُدْسِيَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ مِنْ تَعَلُّقَاتِ هَذَا الْعَالَمِ الْفَانِي، وَاتَّصَلَتْ بِحَظَائِرِ الْقُدْسِ الْحَقَّانِيِّ مَيْلٌ لِلْمَتَاعِ الدُّنْيَوِيِّ قَدْرَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ حَتَّى يَسْأَلَ
حَضْرَةُ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ مَالُهُ وَيَصِلُ إِلَى يَدِهِ مَتَاعُهُ، وَيُظْهِرُ لِفَوَاتِ ذَلِكَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.