مُحْكَمَتَيْنِ، وَالْإِحْكَامُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ حَتَّى عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِهِ. وَسَتَأْتِي تَتِمَّةُ هَذَا الْبَحْثِ.
فَإِنْ تَابَا رَجَعَا عَنِ الْفَاحِشَةِ وَنَدِمَا عَلَى فِعْلِهَا وَأَصْلَحَا الْعَمَلَ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ يُقْبِلُ عَلَى الطَّاعَةِ بَعْدَ الْعِصْيَانِ لِيُطَهِّرَ نَفْسَهُ وَيُزَكِّيَهَا مِنْ دَرَنِهِ وَيُقَوِّيَ فِيهَا دَاعِيَةَ الْخَيْرِ عَلَى دَاعِيَةِ الشَّرِّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا أَيْ كُفُّوا عَنْ إِيذَائِهِمَا بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا أَيْ مُبَالِغًا فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ عِبَادِهِ شَدِيدَ الرَّحْمَةِ بِهِمْ، وَإِنَّمَا شَرَعَ الْعِقَابَ لِيَنْزَجِرَ الْعَاصِي، وَلَا يَتَمَادَى فِيمَا يُفْسِدُهُ فَيَهْلِكَ، وَيَكُونَ قُدْوَةً فِي الشَّرِّ وَالْخُبْثِ - وَرَاجِعْ تَفْسِيرَ " التَّوَّابِ الرَّحِيمِ " فِي [ص٤١: ج: ٢ ط الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا مُلَخَّصُهُ: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْآيَتَيْنِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُمَا فِي الزِّنَا خَاصَّةً وَلِأَجْلِ الْفِرَارِ مِنَ التَّكْرَارِ، قَالُوا: إِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى فِي الْمُحْصَنَاتِ أَيِ الثَّيِّبَاتِ، فَهُنَّ اللَّوَاتِي كُنَّ يُحْبَسْنَ فِي الْبُيُوتِ إِذَا زَنَيْنَ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ، وَالثَّانِيَةُ فِي غَيْرِ الْمُحْصَنِينَ، وَالْمُحْصَنَاتِ، أَيْ فِي الْأَبْكَارِ، وَلِهَذَا كَانَ الْعِقَابُ فِيهَا أَخَفَّ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الزَّانِي الْمُحْصَنُ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وَالْآيَتَانِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَنْسُوخَتَانِ بِالْحَدِّ الْمَفْرُوضِ فِي سُورَةِ النُّورِ، وَهُوَ السَّبِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لِلنِّسَاءِ اللَّوَاتِي يُمْسَكْنَ فِي الْبُيُوتِ، وَلَكِنْ يَبْقَى فِي نَظْمِ الْآيَةِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ تَوَفِّي الْمَوْتِ وَمِنْ جَعْلِ السَّبِيلِ قَدْ جُعِلَ غَايَةً لِلْإِمْسَاكِ فِي الْبُيُوتِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ السَّبِيلِ بِإِنْزَالِ حُكْمٍ جَدِيدٍ فِيهِنَّ ; إِذْ يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ إِلَى أَنْ يَمُتْنَ أَوْ يُنْزِلَ اللهُ فِيهِنَّ حُكْمًا جَدِيدًا. وَقَدْ فَسَّرَ السَّبِيلَ بَعْضُهُمْ بِالزَّوَاجِ كَأَنْ يُسَخِّرَ اللهُ لِلْمَرْأَةِ الْمَحْبُوسَةِ رَجُلًا آخَرَ يَتَزَوَّجُهَا. وَقَدْ
وَافَقَ الْجَلَالُ الْجُمْهُورَ فِي الْأُولَى، وَخَالَفَهُمْ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالَ: إِنَّهَا فِي الزِّنَا وَاللِّوَاطِ مَعًا، ثُمَّ رَجَّحَ أَنَّهَا فِي اللِّوَاطِ، فَتَكُونُ الْأُولَى مَنْسُوخَةً عَلَى رَأْيِهِ، وَالثَّانِيَةُ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ. وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ أَبُو مُسْلِمٍ فِي الْآيَتَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ الْأُولَى فِي الْمُسَاحِقَاتِ، وَالثَّانِيَةَ فِي اللِّوَاطِ، فَلَا نَسْخَ، وَحِكْمَةُ حَبْسِ الْمُسَاحِقَاتِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَعْتَادُ الْمُسَاحَقَةَ تَأْبَى الرِّجَالَ، وَتَكْرَهُ قُرْبَهُمْ - أَيْ فَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ حَرْثًا لِلنَّسْلِ - فَتُعَاقَبُ بِالْإِمْسَاكِ فِي الْبَيْتِ، وَالْمَنْعِ مِنْ مُخَالَطَةِ أَمْثَالِهَا مِنْ نِسَاءٍ إِلَى أَنْ تَمُوتَ أَوْ تَتَزَوَّجَ.
أَقُولُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ أَوْ تَكْرَهَ السِّحَاقَ، وَتَمِيلَ إِلَى الرِّجَالِ فَتُقْبِلُ عَلَى بَعْلِهَا إِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً، وَتَتَزَوَّجُ إِنْ كَانَتْ أَيِّمًا. قَالَ: وَفِي إِسْنَادِ جَعْلِ السَّبِيلِ لَهَا إِلَى اللهِ - تَعَالَى - إِشَارَةٌ إِلَى عُسْرِ النُّزُوعِ عَنْ هَذِهِ الْعَادَةِ الذَّمِيمَةِ، وَالشِّفَاءِ مِنْهَا حَتَّى بِالتَّرْكِ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْحَبْسِ فَكَأَنَّهَا لَا تَزُولُ إِلَّا بِعِنَايَةٍ خَاصَّةٍ مِنْهُ - تَعَالَى -.
قَالَ: وَاعْتُرِضَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ بَأَنَّ تَفْسِيرَ الْفَاحِشَةِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَبِأَنَّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.