وَلَا يَقِيسُنَّ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا فَيَكُونُوا كَأُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِيمَا حَكَى الله عَنْهُمْ: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٤: ٣٥) ، بَلْ يَجِبُ أَلَّا يَأْمَنُوا تَقَلُّبَ الدُّنْيَا وَغِيَرَهَا وَلَا يَنْخَدِعُوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ فِيمَا مَضَى ... كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيمَا بَقِيَ
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا.
نَهَى سُبْحَانَهُ عَنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، وَعَنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ، وَهُمَا أَكْبَرُ الذُّنُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَتَوَعَّدَ فَاعِلَ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا بِالنَّارِ، ثُمَّ نَهَى عَنْ جَمِيعِ الْكَبَائِرِ الَّتِي يَعْظُمُ ضَرَرُهَا وَتُؤْذِنُ بِضَعْفِ إِيمَانِ مُرْتَكِبِهَا، وَوَعَدَ عَلَى تَرْكِهَا بِالْجَنَّةِ وَمُدْخَلِ الْكَرَامَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَبَائِرِ هُنَا جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ،
قَالَ الْبَقَاعِيُّ بَعْدَ الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ: وَلَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى مَا لِفَاعِلِ ذَلِكَ تَحْذِيرًا أَتْبَعُهُ مَا لِلْمُنْتَهِي تَبْشِيرًا، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ جُمْلَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَالَ، وَذَكَرَ الْآيَةَ.
الِاجْتِنَابُ: تَرْكُ الشَّيْءِ جَانِبًا، وَالْكَبَائِرُ: جَمْعُ كَبِيرَةٍ، أَيِ الْفَعَائِلُ أَوِ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرُ، وَالسَّيِّئَاتُ: جَمْعُ سَيِّئَةٍ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ الَّتِي تَسُوءُ صَاحِبَهَا عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، أَوْ تَسُوءُ غَيْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ: وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (٣: ١٩٣) ، وَفَسَّرُوهَا بِالصَّغَائِرِ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهَا بِالْكَبَائِرِ، وَاللَّفْظُ أَهَمُّ وَالتَّخْصِيصُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ فِي الْمَعَاصِي صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ أَمِ الْمَعَاصِي كُلُّهَا كَبَائِرُ؟ نَقَلُوا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ اللهُ بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْإِسْفَرَايِينِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ: إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ هَذَا مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، فَقِيلَ: هِيَ سَبْعٌ، لِحَدِيثٍ صَحِيحٍ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي عَدِّهَا مُخْتَلِفَةٌ وَمَجْمُوعُهَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعٍ، وَقَدْ ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ.
أَقُولُ: أَشْهَرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.