الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْمَعْصِيَةَ إِلَى صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، وَأَرَادُوا بِالسَّيِّئَاتِ الصَّغَائِرَ لَمْ يَفْهَمُوا الْآيَةَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينِ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤٥: ٢١) ، فَجُعِلَ أَهْلُ السَّيِّئَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ الْمُفْسِدُونَ، وَقَالَ: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ (٤: ١٨) ، الْآيَةَ، وَمَا الْعَهْدُ بِتَفْسِيرِهَا بِبَعِيدٍ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ السَّيِّئَاتِ فِيهَا عَلَى الصَّغَائِرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ فِي كُلِّ سَيِّئَةٍ، وَفِي كُلِّ نَهْيٍ خَاطَبَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ، وَصَغِيرَةً أَوْ صَغَائِرَ، وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ فِي كُلِّ ذَنْبٍ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِالنَّهْيِ وَالْأَمْرِ، وَاحْتِرَامِ التَّكْلِيفِ وَمِنْهُ الْإِصْرَارُ، فَإِنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الذَّنْبِ لَا يَكُونُ مُحْتَرِمًا وَلَا مُبَالِيًا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ أَيِ الْكَبَائِرَ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا كُلُّ شَيْءٍ تُنْهَوْنَ عَنْهُ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ أَيْ: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ صَغِيرَهُ فَلَا نُؤَاخِذْكُمْ عَلَيْهِ، فَإِضَافَةُ السَّيِّئَاتِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْأَشَاعِرَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ ; بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ السَّيِّئَاتِ يَكُونُ كَبِيرَةً مُطْلَقًا عَلَى الدَّوَامِ، وَإِنْ فُعِلَ بِجَهَالَةٍ عَارِضَةٍ وَعَدَمِ اسْتِهَانَةٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مُطْلَقًا، وَإِنْ فُعِلَتْ لِعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِالنَّهْيِ وَأَصَرَّ الْفَاعِلُ عَلَيْهَا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ حِينَ قِيلَ لَهُ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ ، قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، أَيْ: مَعَ تَوْبَةٍ، فَكُلُّ ذَنْبٍ يُرْتَكَبُ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ عَلَى النَّفْسِ مِنَ اسْتِشَاطَةِ غَضَبٍ، أَوْ غَلَبَةِ جُبْنٍ، أَوْ ثَوْرَةِ شَهْوَةٍ وَصَاحِبُهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الدِّينِ يَخَافُ اللهَ وَلَا يَسْتَحِلُّ مَحَارِمَهُ فَهُوَ مِنَ السَّيِّئَاتِ الَّتِي يُكَفِّرُهَا اللهُ تَعَالَى، إِذَا كَانَ لَوْلَا ذَلِكَ الْعَارِضُ الْقَاهِرُ لِلنَّفْسِ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِحَهُ تَهَاوُنًا بِالدِّينِ، وَكَانَ بَعْدَ اجْتِرَاحِهِ إِيَّاهُ حَالَ كَوْنِهِ مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ يَنْدَمُ وَيَتَأَلَّمُ وَيَتُوبُ وَيَرْجِعُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَعْزِمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَى اقْتِرَافِ مِثْلِهِ، فَهُوَ بِعَدَمِ إِصْرَارِهِ وَبِاسْتِقْرَارِ هَيْبَةِ اللهِ وَخَوْفِهِ فِي نَفْسِهِ يَكُونُ أَهْلًا لِأَنْ يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ وَيُكَفِّرَ عَنْهُ، وَكُلُّ ذَنْبٍ
يَرْتَكِبُهُ الْإِنْسَانُ ـ مَعَ التَّهَاوُنِ بِالْأَمْرِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِنَظَرِ اللهِ إِلَيْهِ وَرُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ حَيْثُ نَهَاهُ ـ فَهُوَ مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا أَيْ: فِي صُورَتِهِ أَوْ ضَرَرِهِ، يُعَدُّ كَبِيرَةً (أَيْ: مِنْ حَيْثُ هُوَ اسْتِهَانَةٌ بِالدِّينِ وَدَاعٍ إِلَى الْإِصْرَارِ وَالِانْهِمَاكِ وَالِاسْتِهْتَارِ) ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: تَطْفِيفُ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ وَإِخْسَارُهُمَا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (٨٣: ١) ، وَهُوَ يَصْدُقُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَلَوْ حَبَّةً، وَالْهَمْزُ وَاللَّمْزُ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١٠٤: ١) ، أَيِ: الَّذِينَ اعْتَادُوا الْهَمْزَ وَاللَّمْزَ، وَهُمَا عَيْبُ النَّاسِ وَالطَّعْنُ فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَالْوَيْلُ: الْهَلَاكُ فَهُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ.
أَقُولُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ هُوَ تَرْجِيحٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَبَائِرَ بِحَسَبِ قَصْدِ فَاعِلِهَا وَشُعُورِهِ عِنْدَ اقْتِرَافِهَا وَعَقِبَهُ، لَا فِي ذَاتِهَا وَحَسَبِ ضَرَرِهَا، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي إِنْكَارَ تَمَايُزِ الْمَعَاصِي فِي أَنْفُسِهَا، وَكَوْنَ مِنْهَا الصَّغِيرَةُ كَالنَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ كَبِيرَةٌ كَالزِّنَا، وَكَذَلِكَ ضَرْبُ الرَّجُلِ خَادِمَهُ ضَرْبًا خَفِيفًا بِدُونِ ذَنْبٍ يَقْتَضِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.